أعمل في مجال التسويق منذ 10 أعوام تقريبًا، ولا أخفيكم سرًا؛ أملك دومًا نقدًا موجّهًا إلى نموذج القمع.
لا من منطلق التشكيك في فاعليته، لأنه بالتأكيد فعّال وينجح في العديد من الأسواق والصناعات، ولكن لأنه ينظر إلى العميل بصفته عنصرًا غير فعّال في المسألة، لا جهد مطلوب منه في مراحل القمع، بل نحن من يبذل الجهد في كل مرحلة.
وأنا هدفي هنا ليس نقد نموذج القمع، فهذا ربما نخوضه معًا في نقاشات أخرى لاحقًا. لكن ما أهدف له هو توضيح أننا عندما عدنا للعمل على محتواك مرة أخرى، شعرنا بأننا نحتاج إلى نموذج آخر يناسب عملنا، وقد كان وصولنا إلى نظرية السلّم.
كما ذكرنا في صفحة من نحن، فإن المسألة هي تجربة فردية تمامًا، لا نقول أبدًا أنه يجب على الجميع فعلها، أو أن ما يفعله الآخرون خاطئ، لكنها ببساطة تناسب ما نعمل عليه هنا في محتواك.
ما المقصود بنظرية السلّم؟
أولًا دعنا نعرّف نظرية السلم هنا، نقصد بها أن الشخص يصعد الدرجات واحدة تلو الأخرى، لا يمكنه تجاوز واحدة أو عبورها سريعًا، إنما يجب أن يعبرها بالشكل الصحيح، هذا إذا أراد لرحلته أن تكتمل بالجودة المطلوبة.
وهذا يعني أن العميل لا ينزلق سريعًا من مرحلة لأخرى كما في القمع، لكنه هو من يقرر اتّخاذ الخطوة التالية. صحيح يهتم بالعروض والخصومات وكل ما يمكنه تحفيزه، لكن هذا ليس محرك القرار، إنما الجاهزية الحقيقية لاتّخاذ الخطوة.
وهذا يعني أنه لكي نحقق ذلك فعلينا بناء تصور واضح للتحرك على السلّم، أن نفهم المسار الذي يمر به صانع المحتوى، ونقدم له ما يناسبه في كل خطوة. لا يعني ذلك بالضرورة أن يعبر كل درجة معنا، لكن الفكرة أننا نفهم رحلته جيدًا، وإذا جاءنا لينضم إلينا نخبره بالدرجة التي تناسبه، ولا نحاول أن نبيع له إلّا ما يلائم احتياجه فقط.
الكيف لا الكم!
المشكلة الأساسية في القمع للأسف هي أنه استراتيجية قائمة على الكم، وهذا مفهوم طبعًا لأنه يعتمد على انتقال الأشخاص من مرحلة لأخرى في القمع، ما يشبه حركة سريعة يسقطون فيها بفعل الجاذبية.
هدفنا هو استقطاب 1000 شخص في أعلى القمع، ليعبر منهم 500 إلى المرحلة التالية، ويستمر الأمر حتى نصل إلى 20 شخص في النهاية. مسألة كمية في جوهرها مهما حاولنا ربطها مع الكيف، لأن التقييم سيتعلق في النهاية بما حققناه من أرقام.
أمّا السلّم فهو يطرح زاوية أخرى، نحن لا نهتم بالعدد الكبير، إنما نركز هنا على الكيف، ننظر إلى كل شخص بصفته رحلة مستقلة، نتكلم مع شخص واحد فقط، لا نطلب منه الانتقال السريع إلى الخطوة التالية، بل أحيانًا نخبره أنه لا يجب عليه الانتقال الآن، وأن يأخذ وقتًا أطول في الدرجة الحالية.

هيا بنا نصعد السلّم!
شيء آخر يجعلني أؤمن بالسلّم هو ارتباطه بفكرة أخرى أؤمن بها وهي مراكمة الخبرات، فأنت عندما تنظر للأمور على أنها انتقال من درجة لأخرى، هذا يعني أنك تنتقل بما حصدته من تجارب ومحاولات؛ ناجحة أو فاشلة لا فارق.
لذا عندما تقول لنفسك سأبدأ من الصفر، فأنت في الحقيقة لا تفعل ذلك، بل أنت تبدأ بما راكمته من خبرات في الدرجات التي صعدتها، وهذا يعني أن لديك ما تبني عليه في المحطة التالية، ونحاول تذكيرك بهذا الأمر دائمًا.
ولذلك عندما يأتي شخص إلينا، نفهم منه الخبرات التي راكمها سابقًا، وهذا ما يجعلنا نقول أن الشخص لا يجب أن يبدأ معنا من الدرجة الأولى دائمًا، بل هو يأتي إلينا وهو في مرحلة معينة ويختر ما يناسبه من منتجات بما يوافق درجته الحالية.
بينما في القمع يُبنى النموذج حول أن البداية دائمًا من الوعي المتمركز حول الإدراك والمعرفة بوجود المشكلة أو العلامة التجارية، كأنه يفترض بالشخص أن يعود إلى هذه الخطوة حتى يبدأ رحلته. بينما في السلم الأمر مختلف، هو يأتي إلينا ويقيّم نفسه في إطار ما نقدمه ليعرف أين موقعه، وهو وحده يقرر أي درجة تناسبه ليبدأ منها.
ولذلك ننظر إلى جميع ما نقدمه بصفته منتجات، لا يهمنا إن كانت مجانية أو مدفوعة، فهي في النهاية منتجات ولا بد أن تكون متعلقة بسلّم كامل نغطيه، فإمّا يصعد الشخص معنا من كل درجة بطريقة صحيحة، أو ينضم لنا من الدرجة التي تناسبه.
أخيرًا، سنقولها تكرارًا ومرارًا هذه تجربة فردية تمامًا، لا يعني ذلك أننا لن نستخدم القمع مرة أخرى، بل قد نفعل ذلك في أعمالنا سواء داخل أو خارج محتواك، ولا يعني ذلك أن السلّم استراتيجية على الجميع تطبيقها في أعمالهم، فهذا خاطئ بالتأكيد، لأن التجربة تُبنى بما يناسبها لا العكس.