كيف نفكر بالمحتوى؟
سنخبرك بسر: صمّمنا موقع محتواك بجهودنا الذاتية، وبمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي البرمجية.
ماذا تقول؟ هذا ليس سرًا؟ واضح من لغة الموقع التصميمية؟
ربما، كان معك بعض الحق. لكن، يبدو هذا اختزالًا مُخلًّا لما حدث في الكواليس الخلفية، حتى وصلنا بموقع محتواك إلى هذه الهوية البصرية.
وهو ببساطة ما نطلق عليه التفكير بمنهجية!
كيف تأكل فيلًا؟
سؤال غريب، لكن إجابته بسيطة إن فكرت فيها: قضمة بقضمة، وبهدوء، ولكن دون أن ننسى أولًا تسويته على نار هادئة!
طبعًا، لن نتحدث عن أكل الأفيال هنا، لكنه مثال بسيط على التفكير بهدوء. قبل أن تبدأ أي شيء، تحتاج أن تفهم ما الذي أمامك، وكيف ستتعامل معه، وما الذي يستحق التركيز عليه أولًا، ومن أين تبدأ.
هكذا نتعامل مع الأسئلة الكبيرة في المحتوى، وللإجابة على الأسئلة المعقّدة، نبدأ بتقسيمها إلى خطوات أبسط؛ نبدأ دائمًا من الأساس المجرَّب عبر بحثٍ طويل معمّق، أو تجربة عشناها، أو درس مستفاد من واقعنا العملي، ثم نضيف إليه وعينا ولمستنا الخاصة، فنصنع شيئًا جديدًا يشبهنا فعلًا.
مثلا، قبل أن نبدأ تنفيذ تصميم الموقع، كان علينا أن نقرر ما الذي نطوره أصلًا. اجتمعنا لنضع تصورًا واضحًا لما نريد بناءه. ثم قسمنا العمل بين من يحدد اتجاه البيزنس والمنتجات، ومن يحدد اتجاه التواصل. ثم بدأنا العمل بالتوازي لنضع أساسيات البراند.
بهذا المعنى، لا نرى بداية المحتوى من النص المكتوب، بل من منهج التفكير الذي يقود العملية الإبداعية بأكملها.
وهذا يقودنا للسؤال التالي: لماذا لم نبدأ من كتابة ما تراه أمامك؟
لماذا لا نبدأ من الكتابة؟
حين نتحدث عن الكتابة، غالبًا ما نقفز مباشرة إلى الصياغة؛ نناقش كيف سنكتب هذه الجملة، أو نعدّل تلك الكلمة، أو نبحث عن الأسلوب الأنسب لصياغتها.
لكن، هل هذه نقطة البداية فعلًا؟
قبل أن نكتب أي جملة، هناك عملية إبداعية كاملة تحدث في الخلفية. فبعد أن قيّمنا صلاحية الفكرة للكتابة، نُجري عملية البحث التي تضعها في سياق أوسع، ونرسم الإطار الذي يحدد زاوية النظر إليها، وكيف نسرد ما يُقال، ونحذف ما لا يُقال.
حين تُختصر هذه المراحل، تصبح الكتابة محاولة متواصلة لإنقاذ فكرة لم تنضج بعد، كأن تأكل الفيل قبل أن يستوي، أو تأكله دفعة واحدة. وحين نفهم هذا المنهج في التفكير، تتحول الكتابة إلى خطوة أخيرة طبيعية ومنطقية لما قبلها.
لهذا نرى أن التميّز في المحتوى لا يبدأ من النص، بل من منهج التفكير الذي يقود هذا النص. منهج يمكّن الكاتب من تقييم قوة كلماته، وفهم أثرها على القارئ، واتخاذ قرارات أوضح قبل أن يصل إلى مرحلة الصياغة الأخيرة ثم النشر.
الآن، قد تتساءل، وهذا حقك بالطبع، ما الذي يعنيه منهج التفكير هنا؟
ماذا نعني بمنهج تفكير بالمحتوى؟
سؤال جميل، نشكرك أولًا على طرحه. وثانيًا، حين نستخدم كلمة “منهج تفكير”، فنحن لا نقصد شيئًا نظريًا أو تقنيًا، ولا نقصد إطارًا يُفرض على العمل من الخارج.
لكن، المنهج هنا يظهر أثناء العملية نفسها، في اللحظة التي نتوقف فيها ونسأل أنفسنا: هل هذه الفكرة واضحة بما يكفي؟ أو عندما نصل إلى مفترق طرق: هل نتابع للخطوة التالية، أم نعود خطوة إلى الوراء؟
يولد هذا المبدأ حين يكون لكل فكرة عتبة واضحة من الخبرة يجب أن تعبرها قبل أن ترى النور. إن لم نختبر غرض الباب، لا نفتحه. وإن لم نفهم سياق الطريق، لا نرسمه. وهذا أسلوبنا في احترام معنى الفكرة، أن نمنحها وقتها حتى تنضج، ثم نشاركها بثقة لأنها وُلدت من تجربة حقيقية.
لاحظ أنه مع انتشار الأدوات الذكية، وإتاحة المحتوى بوفرة، لم يعد التميّز مرتبطًا بذكر المعلومات والأفكار نفسها، ولكن في احترافية وإبداع سردها، وهذا ما يعنيه أن تكون كاتبًا مميزًا.
هذا الأسلوب في التفكير المنهجي لا يُملي عليك ما تكتبه، بل يساعدك على أن تفهم ما تكتبه، ولماذا تكتبه بهذه الطريقة تحديدًا. ومع التكرار، يتحول المنهج إلى حسّ داخلي؛ عقلية طبيعية ترافقك قبل وأثناء وبعد الكتابة. وحين يحدث ذلك، تتضح لك عناصر ذلك السرد، وتتحول الجودة من صدفة تكرر أحيانًا إلى نتيجة يمكنك البناء عليها.
وربما يفيدك هذا في فهم العملية الإبداعية!
حين نقول إننا نفكّر بالمحتوى، فنحن لا نقصد ما ننتجه في النهاية. بل منهج التفكير الذي نحلل به الفكرة منذ لحظتها الأولى، وكيف نقيّمها، وكيف نقرّر التعامل معها. بهذا المعنى، لا يصبح المحتوى مخرجات نصل إليها، بل عقلية تقود كل ما يأتي بعدها.
هل العملية الإبداعية غامضة فعلًا؟
يُنظر إلى الإبداع غالبًا على أنه شبح يصعب الإمساك به؛ لحظة إلهام مفاجئة، أو إحساس عابر، أو تدفّق للأفكار لا يمكن التخطيط له.
لكن، هل هذا ما يحدث فعلًا حين ننظر إلى العملية عن قرب؟
مع التجربة، يتضح أن ما نسميه “إبداعًا” يتكوّن من مراحل يمكنك ملاحظتها، حتى لو لم تكن مرئية دائمًا أثناء عملك. فكرة تبدأ بصورة غير مكتملة، ثم بحث يوسّعها أو يختبرها، ثم إطار يحدّد زاوية التناول، ثم عناصر للسرد، قبل أن تصل الفكرة أخيرًا إلى الصياغة.
كثير من أعظم الكتّاب تعاملوا مع الإبداع بهذه الطريقة، بوصفه عملية يمكن الإمساك بها. مثلاً، كان أحمد خالد توفيق يحمل دفتر ملاحظات صغير، يدوّن فيه ما يلتقطه خلال يومه، ثم يعود لاحقًا ليرى أيّ هذه الملاحظات يصلح أن يتحول إلى فكرة لمقال أو قصة. وكان نجيب محفوظ يفرض على نفسه نظام كتابة يومي صارم، يلتزم فيه بعدد ساعات محدد، بصرف النظر عن المزاج أو الإلهام.
لم يكن ذلك تقليلًا من قيمة الإبداع، بل محاولة إنسانية لجعله أكثر قابلية للفهم، وأكثر قدرة على الاستمرار.
الإبداع، حين يُفهم كعملية، لا يتوقف عند الفكرة وحدها، بل يمتدّ إلى كيفية تحويلها إلى سرد متماسك. وبدون هذا الامتداد، يصبح السرد اجتهادًا لحظيًا. ومعه، يتحوّل السرد إلى نتيجة يمكن تكرارها وتطويرها والبناء عليها.
لكن، ما الذي يحدث لهذه العملية حين تقتحمها أدوات الكتابة الذكية؟
كيف دخل الفيل إلى الغرفة؟
يبدو أننا نكثر من استخدام الفيل كمثال هنا، لكنه ضخم بما يكفي ليوضح فكرتنا، والفيل في الغرفة هنا هو أدوات الذكاء الاصطناعي.
الآن، مع انتشار استخدام الأدوات الذكية في الكتابة، ظهر هوس بسؤال: هل هذا النص مكتوب بالذكاء الاصطناعي؟
كأن القاعدة أصبحت أن أي نص واضح موضع شبهة، أو أي جملة مرتبة نذير شؤم. المشكلة ليست في استخدام الأداة في الكتابة، المشكلة في معايير تقييمنا. فحين يصبح الوضوح علامة ريبة، فهذا يعني أن الرداءة صارت هي الطبيعي.
لكن، ما يهمنا فعلًا هو منهج التفكير وراء الكلمات: هل الفكرة متماسكة؟ هل تحمل معنى واضح؟ هل تقول شيئًا يستحق أن يُقال؟
غالبًا، لا يسأل القارئ على الطرف الآخر من الشاشة: كيف كتبت هذا النص؟ ولا كم استغرقت عملية الكتابة؟ ولا أي أداة استخدمت لإنتاجه؟
السؤال الحقيقي غالبًا أبسط كثيرًا: هل كان يستحق هذا النص وقتي؟
الفكرة ليست أن الكتابة بالذكاء الاصطناعي تقلل من قيمة الكاتب، الفكرة أن الكاتب الذي لا يملك أسلوبًا ومنهجًا واضحًا، سيستخدم الأداة لمضاعفة المشكلة أسرع. الأداة لن تمنحك معيارًا، لكنها غالبًا ستضاعف ما لديك فعلًا.
وهذا يقودنا لسؤال مهم آخر: كيف نستخدم تلك الأدوات الذكية؟
الكتابة الجيدة تفعل ثلاثة أشياء؛ تجذب الانتباه، وتحافظ عليه بما يكفي لإيصال المعنى، ثم تحرك القارئ نحو فعل خطوة محددة.
كيف نستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي؟
نستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في عملنا، كما ذكرنا في البداية، لكننا لا نبدأ منها، ولا نعتبرها مركز العملية الإبداعية.
فمع ازدياد قدرة هذه الأدوات على إنتاج المحتوى بسرعة غير مسبوقة، أصبح المحتوى نفسه وفيرًا للغاية. النصوص والصياغات لم تعد نادرة، ما أصبح نادرًا هو المعنى.
نرى أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مشهد المحتوى، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التفكير بالمحتوى، وكيفية سرد فكرتك بمنهجٍ واعٍ.
الأداة يمكنها أن تنتج كلمات، لكنها لا تبني رواية متماسكة. يمكنها أن تقترح صياغات، لكنها لا تفهم لماذا تُقال هذه القصة الآن ولمن.
الخطر ليس في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في الاعتماد عليه دون وعي. حين يتحول من أداة تساعدك على التفكير إلى بديل يفكر عنك، فتفقد تدريجيًا قدرتك على التحليل والمقارنة والتفكير النقدي واتخاذ القرارات الواعية.
يتعامل فريق مع الأداة كعقل بديل؛ يعطيها مهمة، وينتظر نتيجة، ثم يشعر بالإحباط حين لا تعمل كما توقع. بينما يتعامل معها فريق آخر كأداة قوية تضاعف الإنتاجية لكن تحكمها حدودها المنطقية؛ يختبرها، ويوجهها، ويعرف متى يعتمد عليها، ومتى يتجاوزها.
الفارق بين المنهجين ليس تقنيًا، بل ذهنيًا. الأداة لا تصنع عمقًا من تلقاء نفسها، فهي تعيد ما يوضع أمامها؛ فكرة مبهمة تعود بنص مرتبك، وفكرة محددة تعود بنتيجة أدق.
لهذا لا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كبديل للتفكير، بل كمرآة له. ما ينعكس فيها هو مستوى الفكرة نفسها، وحدود إمكانيات من يقودها.
بهذا نعاملها كأدوات ذكية للتنفيذ؛ تسرّع بعض خطوات العملية الإبداعية، كالبحث مثلًا، وتفتح لنا احتمالات وزوايا جديدة للتناول، وتساعدنا في الصياغة أو تنظيم أفكارنا، أو في تصميم موقعنا برمجيًا كما ترى.
الذكاء الاصطناعي منحنا أجزاء الصورة مبعثرة دون سياق، لكن لمستنا الشخصية كانت تجميع تلك الأجزاء في صورة كاملة جديدة، وفي سياق واضح يخدم هدفنا النهائي من المحتوى.
الآن، قد تتساءل من جديد، وهذا حقك بالطبع، ما الذي نحاول فعله هنا؟
ما الذي نحاول فعله هنا؟
دعنا نتفق أن المحتوى المميز لا يظهر صدفة، ولا يُبنى على الإلهام وحده. لكنه نتيجة فهم أعمق للفكرة، وللسياق الذي تعمل داخله، وللدور الذي يلعبه المحتوى أصلًا في استراتيجية التسويق الأكبر.
لكن معرفة هذا فقط لا تكفي، فإن بقيت دون ممارسة، تظل نظرية معلّقة. لهذا نحاول دائمًا خلق توازن بين ما نقرأه ونتعلّمه، وبين ما نجرّبه ونطبّقه.
أن نمزج النظرية بالواقع، حتى وإن طغى أحد الجانبين أحيانًا، يبقى الأهم أن نحافظ على عقلية فضولية تبحث وتختبر وتتعلّم من الرحلة نفسها.
لهذا، قررنا أن نعمل على تطوير مناهج تفكير بالمحتوى، لنحوّلها إلى تجارب تعليمية يمكن اختبارها وتطبيقها. تجارب لا تهدف إلى تعليمك ماذا تكتب، بل كيف تفكّر أثناء عملية الكتابة، وكيف تصمم سردًا متماسكًا يمكن البناء عليه مع الوقت.
لا نقدّم قالبًا واحدًا يصلح للجميع، ولا نبحث عن أسلوب موحّد. ما نهتم به هو أن يمتلك صانع المحتوى منهجًا واضحًا يفهم به عمله ويطوّره، ويمنحه القدرة على التميّز في هذه الحقبة التي يتحول فيها الجميع إلى نسخ متشابهة.
لذا، دعنا نطرح السؤال هذه المرة، وهذا من حقنا بالطبع، ما الذي لا نعدك به؟
ما لا نعدك به؟
سؤال غريب آخر، فالجميع يقدم لك وعودًا برّاقة بالنجاح، لكننا لا نستطيع أن نقدم لك وعدًا بأي شيء، فالأمر كله يتوقف عليك في النهاية، لكننا نستطيع أن نخبرك بما لا نعدك به.
نحن لا نعدك بوصفات جاهزة، أو بكتابة “برومبت” واحد يصلح لكل شيء، أو باختصارات سريعة للنجاح في صناعة المحتوى.
سنحدثك بصراحة هنا: كل ما سبق هو عدونا الأساسي.
لذا، السؤال الآن: لمن هذه المساحة؟
هذه المساحة مناسبة لمن يرى أن المحتوى أكبر من عملية نشر مستمرة، وأهم من كتابة عدد منشورات لا تنتهي على وسائل التواصل الاجتماعي بدون معنى.
هذه المساحة لمن يريد أن يفهم قراراته في اختيار الأفكار، وكيفية صياغتها بوضوح.
هذه المساحة مناسبة لمن يبحث عن منهج تفكير بالمحتوى يساعده على التألق، بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي وليس بالاعتماد الكلي عليها.
المغزى في النهاية؟
نكره ليَّ عنق القصص لتنتج لنا مغزى في النهاية، كما قال العجوز رفعت إسماعيل يومًا ما.
لكن إن كان لابد من مغزى، فإننا قررنا تغيير شعارنا لنصف أنفسنا بدليلٍ يساعدك على بناء منهج تفكيرك بالمحتوى، لتصمّم رحلتك معه خطوة بخطوة.