التفكير بالمحتوى

ماذا لو اختفت الآلة الحاسبة؟

محمد يوسف مؤسس مشارك والرئيس التنفيذي للتواصل
5 دقائق

مرحبًا بك، دعنا نسألك سؤالًا مباشرًا: كم حاصل ضرب 15 في 15؟

الاحتمال الأقرب هنا أنك سترى السؤال، ثم تنتقل من نافذة قراءة المقال لتفتح تطبيق الآلة الحاسبة على هاتفك الذكي، وتكتب الأرقام، لترى النتيجة. لا مشكلة في هذا الترتيب فعلًا، وغالبًا يفعله معظمنا بديهيًا دون الحاجة لبذل مجهود ذهني زائد لحساب عملية ضرب بسيطة.

لكن، ما الذي يمكن أن يحدث لو تخيلنا اختفاء الآلة الحاسبة؟

حسنًا، لاحظ أن هذا سؤال مخادع. أولًا لأنه يفترض اختفاء تقنية أساسية جدًا، وهي ببساطة تحويل العملية الحسابية إلى عملية رقمية. هذا معناه رجوعنا للوراء لمدة 500 عام مثلًا. أي أن اختفاء تقنية مثل هذه يعني انهيار الحضارة الحديثة تقريبًا، وهو أمر إن حدث غالبًا لن تقرأ هذا المقال، ولن ينصبّ اهتمامك على حساب عملية ضرب.

لكن دعنا نركز على الجانب الذي يهمنا فعلًا هنا، وهو الهدف من الفكرة التي نحاول مناقشتها. ببساطة، إن اختفت الآلة الحاسبة وكنت تحتاج إلى معرفة حاصل ضرب 15 في 15، ستلجأ إلى استخدام ما تعلمته في المدرسة في حصة الرياضيات في المرحلة الابتدائية. يا لها من أيام!

الأستاذ كان يعرف شيئًا

لاحظ أنه حتى في تلك الحقبة كنت تملك آلة حاسبة. لكن الأستاذ كان يطلب منك استخدام عقلك لحساب ناتج العملية، لماذا؟

لأن هذه هي عملية التعليم، فبرغم وجود الآلة الحاسبة، نحتاج إلى تعلم عملية الحساب نفسها. أن نفهم كيف تعمل تحديدًا، وما الذي يحدث حين نضرب رقمًا في رقم. ولا مانع من استخدام الآلة بعد هذا، لأننا لا نملك وقتًا كافيًا لنحسب كل تلك الأرقام يدويًا، كما أننا نحتاج إلى إنهاء أعمال أكثر أهمية تحتاج إلى طاقة ذهنية حقيقية.

حسنًا، هذا المبدأ لم يتغير، ما تغيّر هو حجم الآلة. وهذا تحديدًا ما يحدث مع الذكاء الاصطناعي.

حين تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي دون معرفتك بالعملية الأساسية التي تستخدمه لأجلها، يحدث الشيء نفسه.

الذكاء الاصطناعي التوليدي، في جوهره، آلة حاسبة ضخمة جدًا لتخمين الكلمات. ينتج لك “حاصل ضرب كلمات كثيرة” إن جاز لنا التعبير. نعم، سينتج لك حاصل ضرب 15 في 15 بكل بساطة. لكنك لا تعرف كيف أنتجها. والأهم، لماذا أنتجها أصلًا. أو لماذا طلبت منه نتيجة تلك العملية.

هذا هو دورك تحديدًا.

إن كنت تعرف وتفهم لماذا وكيف تحدث العملية، أو في حالتنا هنا كيف يعمل المحتوى، وكيف تفكر بالمحتوى، ستجد أن أدوات الذكاء الاصطناعي تساعدك على التركيز في الصورة الأكبر والمهام الأكثر تعقيدًا، التي تحتاج إلى مجهود ذهني حقيقي. تمامًا كما تفعل معنا الآلة الحاسبة التي لم تدمر الرياضيات، بل أزاحت الحسابات البسيطة من طريقك لتركز على المعادلات الأكبر.

لكن إن كنت لا تفهم العملية نفسها، فالأداة ستنتج لك نصًا يبدو مرتبًا من الخارج، لكنه فارغ من الداخل. وستقبل أول إجابة تظهر أمامك دون أن تملك معيارًا لتقييمها. ببساطة، لأنك تنسخ إجابة لا تفهمها.

وهنا، المشكلة ليست في الأداة. المشكلة في منهجية التفكير. 

العلم يعرف أيضًا

في دراسة حديثة نُشرت في هارفارد بيزنس ريفيو، أجرى باحثون تجربة ميدانية على 250 موظفًا في شركة استشارات تقنية في الصين. أعطوا مجموعة منهم حسابًا على “شات جي بي تي” لاستخدامه في عملهم اليومي لمدة أسبوع، بينما عملت مجموعة أخرى بدون أي أداة ذكاء اصطناعي. بعدها، قيّم المديرون الأداء الإبداعي للموظفين، وقيّم حكّام خارجيون جودة أفكارهم من حيث الابتكار والفائدة.

النتيجة كانت واضحة: الوصول للأداة وحده لم يصنع فرقًا يُذكر في أداء الموظفين الإبداعي.

لاحظ هنا، ليست الأداة هي المتغير؛ المتغير كان الشخص الذي يستخدمها.

من استفاد فعلًا هم الموظفون الذين يملكون ما يعرف بالتفكير في التفكير، أو ما وراء المعرفة (metacognition)، بمعنى أبسط: الوعي بطريقة تفكيرك أثناء العمل نفسه. هؤلاء يعرفون أين تنقصهم المعلومة، ويراقبون مدى فعالية أسلوبهم، ويتوقفون ويراجعون حين لا يحرزون تقدمًا.

لذا حين استخدموا الأداة، وجّهوها واختبروا مخرجاتها، وعرفوا متى يعتمدون عليها ومتى يتجاوزونها.

أما من يفتقرون لهذا الوعي، فقبلوا أول إجابة أنتجتها الأداة دون أن يسألوا أنفسهم: هل هذا فعلًا ما أحتاجه؟ بالنسبة لهم، لم تصنع الأداة فرقًا حقيقيًا.

بمعنى آخر: من يفهم “العملية الحسابية” استخدم الآلة بطريقة أفضل. ومن لا يفهمها، لم تنفعه الآلة كثيرًا، حتى لو كانت أمامه طوال اليوم.

الآلة الحاسبة لم تدمر الرياضيات

حين ظهرت الآلة الحاسبة، فعلت شيئًا مهمًا: ساوت بين من يحسب بسرعة ومن لا يحسب. لم يعد هناك فارق في الوصول إلى الناتج. لكنها لم تساوِ أبدًا بين من يفهم الرياضيات ومن لا يفهمها. الفهم ظل هو الفارق الحقيقي.

نفس المنطق ينطبق على أدوات الذكاء الاصطناعي في المحتوى. الأداة ساوت في سرعة الإنتاج؛ أي شخص يمكنه أن ينتج نصًا مرتبًا في دقائق، لكنها لم تساوِ في جودة التفكير وراء هذا النص.

حين تستخدم الأداة وأنت تعرف ما تريد قوله، ولمن تقوله، ولماذا تقوله بهذه الطريقة، ثم تحرر ما تنتجه بوعي وتراجعه وتعدّل فيه، النتيجة تصبح قوية فعلًا. وأحيانًا يصعب التفريق بينها وبين نص كُتب بالكامل يدويًا. لكن هذا لا يحدث إلا لأن صاحبه كان يملك المعيار الذي يقيس به، والمعيار لا يأتي من الأداة، بل يأتي من داخلك. 

ما المطلوب منك؟

لا نطلب منك أن تتخلى عن الأداة الذكية، ولا أن تقدّسها.

سنتعامل مع تلك الأدوات بأنها المسار الطبيعي للتطور التقني. لن تختفي ببساطة، بل تتجه إلى مزيد من التطور. لهذا يجب عليك استخدامها في عملك اليومي، ولا داعي لتنفيذ مهام بسيطة باستخدام دماغك فقط.

لكن هذا لا يعني ألا تعرف العملية نفسها.

طبعًا، مثال الآلة الحاسبة هنا للتشبيه والنقاش كما ذكرنا. لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي أعقد بكثير، والإفراط في الاعتماد عليه دون فهم قد يؤثر فعلًا على قدراتك في التفكير النقدي والتحليل واتخاذ القرارات.

نحن هنا لنخبرك ببساطة: هذه أداة قوية جدًا إن كنت تفهم ما تفعله بها، وإن كنت تملك هدفًا واتجاهًا واضحًا لما تريده منها. من يفهم ما يفعله، الأداة تضاعف أثره. ومن لا يفهم، الأداة تضاعف المشكلة بسرعة أكبر.

إن كنت تتساءل: حاصل ضرب 15 في 15 هو 225. لكن الأهم من الرقم، أنك تعرف لماذا سألت السؤال أصلًا!

شارك المقال:

محمد يوسف كاتب المقال

مؤسس مشارك والرئيس التنفيذي للتواصل

أفكار مترابطة