التفكير بالمحتوى

هل هذا المقال مكتوب بالذكاء الاصطناعي؟

محمد يوسف مؤسس مشارك والرئيس التنفيذي للتواصل
6 دقائق

ربما تساءلت الآن وأنت تقرأ عنوان هذا المقال، وربما ستسأله مرة أخرى بعد أن تنتهي من قراءته.

لا بأس، نحن سنسأله نيابة عنك: هل كتبنا المقال باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؟

المهم أن تلاحظ ما الذي سيتغير في حكمك على ما تقرأه، بصرف النظر عن معرفتك الإجابة. لأن هذا تحديدًا هو موضوعنا هنا.

أولًا، قد يبدو السؤال تقنيًا؛ مجرد محاولة لمعرفة مصدر النص المكتوب. لكن ما يحدث بعد الإجابة أهم. إن قلنا لك: “نعم، استخدمنا الذكاء الاصطناعي في كتابته”، هل سينتهي الموضوع عندك؟

غالبًا لا، لأن شيء ما يتغير في نظرتك للنص نفسه، حتى لو كنت قبل ثوانٍ تقرأه وتستمتع به أو تستفيد منه.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن السؤال ليس عن الأداة أصلًا، السؤال عن شيء آخر تمامًا.

لماذا لا تكفي الإجابة؟

في دراسة من جامعة كاليفورنيا، أعطى الباحثون نفس النص بالضبط لمجموعة من الأشخاص بهدف تقييمه. لكن، مرة أخبروهم أن إنسانًا كتبه، ومرة أخرى أخبروهم أن الذكاء الاصطناعي كتبه.

أعتقد أنك خمّنت النتيجة: فضّل المقيّمون النص حين حمل تصنيف “كتبه إنسان” بفارق يتجاوز %30.

حسنًا، بالطبع قد تقول هذا طبيعي، لأن البشر يثقون بالكتابة البشرية أكثر، هذا جميل.

لكن الباحثين فعلوا شيئًا إضافيًا؛ عكسوا التصنيفات عمدًا. أخذوا نصًا كتبه الذكاء الاصطناعي وقالوا إن إنسانًا كتبه، وأخذوا نصًا كتبه إنسان وقالوا إن الذكاء الاصطناعي كتبه.

استعد للمفاجأة، النتيجة نفسها تكررت. المقيّمون فضّلوا النص الذي يحمل تصنيف “بشري”، بصرف النظر عمّن كتبه فعلًا. وهذا في تجربة شملت أكثر من 16 ألف تقييم، وليس مجرد انطباعات عابرة.

لاحظ هنا أن الجودة لم تتغير، والكلمات لم تتغير. ما تغيّر هو التصنيف فقط، لكن التصنيف كان كافيًا ليغيّر الحكم بالكامل على النص.

إذًا، السؤال “هل هذا النص مكتوب بالذكاء الاصطناعي” ليس سؤالًا عن جودة النص. لو كان كذلك، لما تغيّر حكمك على نفس النص بمجرد تغيير اسم كاتبه. السؤال في حقيقته يسأل شيئًا مختلفًا: هل الشخص الذي كتب هذا “يستحق” أن يُسمى كاتبًا؟

وهذا سؤال عن الهوية، وليس عن الأداة نفسها.

من أداة إلى مرآة

في مقالنا السابق، تحدثنا عن فكرة أن من يفهم العملية يستخدم الأداة بشكل أفضل، ومن لا يفهمها لا تنفعه الأداة، حتى لو كانت أمامه طوال اليوم. وهذا صحيح. لكن هناك فخ آخر لا يقل خطورة، وقد يقع فيه حتى من يفهم العملية جيدًا.

تخيل أنك صانع محتوى تكتب منذ سنوات، تعرف كيف تبني فكرة، وكيف تصيغها، وكيف تحررها. ثم تأتي أداة تنتج لك نصًا واضحًا ومرتبًا في دقائق؛ النص ليس سيئًا، بل أحيانًا يكون قريبًا مما كنت ستكتبه أنت.

هنا يظهر سؤال مزعج لا يطرحه أحد بصوت عالٍ: إن كانت الأداة قادرة على إنتاج شيء قريب مما أنتجه أنا، فما الذي يجعلني مختلفًا؟

مرة أخرى، هذا ليس سؤالًا تقنيًا، هذا سؤالًا عن القيمة الشخصية. وحين يظهر هذا السؤال، يحدث واحد من سيناريوهين:

الأول: الهجوم. الأداة سيئة. مخرجاتها ضعيفة. لا تستطيع أن تكتب مثلي. وأحيانًا يأتي هذا الحكم قبل أن يختبر الشخص الأداة فعلًا. الموقف يُبنى أولًا، ثم يبحث صاحبه عمّا يؤكده.

الثاني: الذنب. أنا أستخدم الأداة لكنني أشعر أنني لا “أكتب فعلًا”. أخفي استخدامها. أو أستخدمها ثم أعيد كتابة كل شيء يدويًا حتى أشعر بأنني “كاتب حقيقي”. ليس لأن النتيجة كانت ضعيفة، بل لأن طريقة الوصول إليها لا تشبه ما اعتدت عليه.

لاحظ أن كلا الموقفين لا علاقة لهما بجودة النص أو بقدرات الأداة. كلاهما عن الأنا.

لهذا السلوك اسم علمي

باحثون في نظم المعلومات طوّروا مفهومًا يحمل اسمًا أكاديميًا معقدًا كالعادة: “تهديد الهوية التقني” (IT Identity Threat). الفكرة ببساطة: حين تدخل تقنية جديدة تهدد الطريقة التي يعرّف بها الشخص نفسه مهنيًا، ردة الفعل لا تكون عن التقنية، بل عن الهوية.

وفي دراسة حديثة، طبّق باحثون هذا الإطار تحديدًا على الذكاء الاصطناعي التوليدي. شملت الدراسة 405 مستخدم، ووجدت أن قدرات الذكاء الاصطناعي الإبداعية والتحليلية والتواصلية كلها تثير تهديدًا للهوية. والأهم أن هذا التهديد يقود مباشرة إلى سلوك المقاومة.

حسنًا، ماذا يعني هذا عمليًا؟

يعني أن الشخص الذي يرفض استخدام الأداة أو يشعر بالذنب حين يستخدمها، ليس بالضرورة يتصرف بسذاجة أو بعناد. هو يمر بردة فعل نفسية حقيقية وموثقة. الأداة لم تهدد وظيفته فقط، بل هددت تعريفه لنفسه: أنا كاتب، أنا أفكر وأصيغ وأحرر، هذا ما يجعلني “أنا”.

حين يرتبط تعريفك لنفسك بأداة معينة أو بطريقة عمل محددة، أي تغيير في تلك الطريقة يُشعرك وكأن شيئًا منك يتآكل. وهذا الشعور لا يحتاج إلى تبرير عقلاني، لأنه شعور يحدث تلقائيًا.

التحيز يعمل في الخلفية

وهنا تدخل طبقة أخرى؛ التهديد لا يتوقف عند المقاومة، بل يشوّه طريقة تقييمك للأداة نفسها.

الباحثون يسمّون هذا “النفور من الخوارزمية” (Algorithm Aversion) وهو ميل بشري موثق، حين نرفض نتيجة الآلة حتى حين تتفوق على النتيجة البشرية، بل نتذكر أخطاء الآلة لفترة أطول ونحكم عليها بقسوة أكبر من أخطاء البشر.

لكن وفقًا لدراسة أخرى، استخدمت “اختبار الارتباط الضمني” (Implicit Association Test)، وهو تقييم نفسي يهدف في الأساس إلى تقييم التحيزات البشرية اللا واعية عبر تتبع زمن الاستجابة أثناء إجراء مهام التصنيف. وجدت الدراسة أمرًا أكثر دلالة: البشر يملكون تحيزًا لا واعيا ضد الذكاء الاصطناعي، يشبه في بنيته أنواع التحيز الضمني الأخرى. ليس قرارًا واعيًا ترفض فيه الأداة لأنك قيّمتها ووجدتها ناقصة، بل ميل تلقائي يسبق التقييم نفسه.

وهنا الجزء المهم في هذه النتيجة، هذا التحيز يتراجع مع الاستخدام والتجربة الفعلية. بمعنى أن النقاش النظري حول “هل الأداة جيدة أم سيئة” لا يغيّر شيئًا تقريبًا. ما يغيّر موقفك فعلا هو أن تستخدمها، وتختبرها، وتكوّن حكمك من تجربتك أنت. هل مررت بهذا الأمر من قبل؟

السؤال الذي يستحق أن نسأله؟

إذًا يمكننا أن نعيد صياغة السؤال، فبدلًا من “هل هذا المقال مكتوب بالذكاء الاصطناعي؟”، يصبح السؤال الذي يستحق هو: هل هذا المقال واضح، ومكتوب جيدًا، ويقدم شيئًا يستحق وقتك؟ سواء كتبته أنا بالكامل، أو ساعدتني أداة في كتابته، أو كتبته الأداة وحررته أنا.

لأن القارئ على الطرف الآخر من الشاشة لا يسألك عادةً: بأي أداة كتبت هذا النص؟ ولا كم استغرقت عملية الكتابة؟ سؤاله أبسط بكثير: هل قراءة هذا النص استحقت وقتي؟

وهذا السؤال لا تجيب عنه الأداة. أنت تجيب عنه. بفهمك للفكرة التي تكتب عنها. بمعرفتك لمن تكتب له. بقدرتك على التمييز بين نص يقول شيئًا ونص يبدو أنه يقول شيئًا.

هذه المعايير لم تتغير مع ظهور الذكاء الاصطناعي، لكن ما تغيّر هو أن كثيرين تخلّوا عنها لأنهم انشغلوا بسؤال أقل أهمية.

الأداة ليست التهديد

الأداة لم تغيّر قيمة الكتابة الجيدة؛ كل ما فعلته أنها غيّرت من يستطيع الوصول إليها. وهذا ليس تهديدًا لمن يفهم ما يفعله، التهديد الحقيقي هو أن تقضي وقتك في محاربة الأداة بدلًا من إتقان استخدامها.

دعنا نتفق أن من يفهم العملية الإبداعية، ويعرف كيف يصيغ أفكاره، سيستخدم الآلة استخدامًا أفضل. هذا صحيح. لكن هناك شرط مهم: أن تسمح لنفسك أصلًا باستخدامها دون أن تشعر بأنك تخسر شيئًا من هويتك.

لأن الفهم وحده لا يكفي إن كانت الأنا تغلق مسار تفكيرك المنطقي.

وبالمناسبة، هل لا زالت تتساءل إن كان المقال مكتوب بالذكاء الاصطناعي؟

إن كنت ما زلت تسأل هذا السؤال بعد كل ما قرأته، فربما الأمر يستحق إعادة قراءة من البداية.

شارك المقال:

محمد يوسف كاتب المقال

مؤسس مشارك والرئيس التنفيذي للتواصل

أفكار مترابطة