في يناير الماضي، جلس مات ديمون وبن أفليك في حلقة من بودكاست جو روغان للترويج لفيلمهما The Rip على نتفليكس. وبين الحديث عن الفيلم، قال مات ديمون أمرًا لافتًا عن الطريقة التي تُصنع بها الأفلام اليوم.
قال إن نتفليكس طلبت منهم البدء بمشهد أكشن كبير في أول خمس دقائق، لإبقاء المشاهد متابعًا. ثم أضاف، وهنا الجزء المهم: “قالوا لنا إنه لن يكون سيئًا لو كررتم الحبكة الرئيسية ثلاث أو أربع مرات في الحوار، لأن الناس منشغلون بهواتفهم أثناء المشاهدة”.
نتفليكس نفت هذا الكلام لاحقًا. لكن الملاحظة، بصرف النظر عمّن قالها ولمن، تصف نمطًا يتكرر خارج السينما.
ردّ بن أفليك بمثال مضاد: مسلسل Adolescence على نتفليكس نفسها، مسلسل دراما سوداء، بلقطات صامتة طويلة، ودون تكرار أو تبسيط، ومع ذلك أصبح من أنجح الأعمال على المنصة. كان رأي أفليك ببساطة: “هذا يثبت أنك لا تحتاج أن تفعل أيًا من هذا لتجذب الناس”.
لم يختلف مات ديمون مع الفكرة، لكنه رأى أن Adolescence “استثناء وليس قاعدة”.
لاحظ ما يحدث هنا، غالبًا لم يقل أحد إن السينما ماتت، ولم يجادل أحد أنها بخير كما كانت. ما حدث كان أبسط: صناعة السينما انقسمت، بطبقة تتكيّف مع سياق المشاهدة الجديد، فتكرر الحبكة وتصعّد البداية لأن المشاهد مشتّت. وطبقة ترفض ذلك، وتراهن على أن عملها، إن كان يستحق الانتباه فعلًا، سيحصل عليه.
قد تتساءل الآن، وهذا من حقك: ما علاقة هذا بكتابة المحتوى؟ دعنا نناقش هذا معًا!
لحظة.. لنرجع خطوة للوراء
“ماتت كتابة المحتوى”، ونحن من قتلناها (إن كنت تحب الفيلسوف الألماني نيتشه)، المهم أنك تسمع الشطر الأول من الجملة كثيرًا هذه الأيام.
ماذا ستكون أول ردّة فعل طبيعية لديك؟
غالبًا الدفاع؛ “لا، لم تمت! لأن الشركات لا تزال توظف كتّابًا!”، وهذا صحيح جزئيًا. لكننا حين بدأنا ننظر في البيانات فعلًا، اكتشفنا أن السؤال نفسه خاطئ. فالمعضلة هنا ليست في الحياة أو الموت، بل أن المهنة نفسها تتغيّر، بينما الجميع منشغلون بالجدال حول مستقبلها.
نعلم أن الأمر قد يبدو دراميًا، لكن الأرقام بدأت تشير لهذا التغيّر فعلًا.
في فبراير الماضي، نشرت منصة Semrush تقريرًا حلّل 8,000 إعلان وظيفي في مجال التسويق بالمحتوى في الولايات المتحدة، وقارنتها ببيانات عام 2023. في البداية، انخفض ظهور “الكتابة” كمهارة مطلوبة بنسبة 28%. وفي المقابل، ارتفع الطلب على “صناعة المحتوى” بنسبة 209%.
لاحظ هنا أن الشركات لم تتوقف عن طلب المحتوى، بل توقفت عن وصف ما تريده بكلمة “كتابة” فقط، مما يوحي باحتمالية ارتفاع الطلب على إنتاج محتوى بتنسيقات متعددة.
ثم أن الوظائف القيادية، مثل Head of Content Marketing وVP of Content، نمت بنسبة تتراوح بين 300% و375%، أما الوظائف المتوسطة، وهي التي يشغلها معظم من يعرّفون أنفسهم ككتّاب محتوى، انخفضت بحدّة: مثلا مسمّى Content Marketing Manager تراجع بنسبة 73%، وتراجع مسمّي Content Marketing Specialist بنسبة 74%.
وظائف التنفيذ المباشر، على الجهة المقابلة، ارتفعت بصورة لافتة، مثلا نما الطلب على Content Producer بنسبة 1,261%، وارتفع الطلب على Content Creator بنسبة 410%.
مهارة السرد القصصي (Storytelling) قفزت من 8% إلى 29% في الوظائف القيادية، وأصبح التحليل المهارة الأولى المطلوبة، وتظهر في 40% من تلك الوظائف.
حسنًا، ماذا تقول لنا هذه الأرقام مجتمعة؟
ربما مؤشرًا واحدًا: لم يتخلَّ السوق عن المحتوى، بل أعاد تسعيره، بمعنى أن الصنعة لم تمت، بل انقسمت.

التفكير بالمحتوى مقابل التنفيذ المجرّد
القراءة الأولى لهذه الأرقام، وهي القراءة التي بدأنا منها نحن في البداية، هي أنها قصة عن الأقدمية: الوظائف العليا تنمو، والتنفيذية تنمو، والوسط يتقلص. قصة واضحة، لكنها ليست دقيقة تمامًا.
وظائف التنفيذ نفسها لم تختف، بل هي من أسرع الفئات نموًا. لكن، وهنا الفارق الجوهري، لم تعد وظائف “خذ المهمة واكتب النص وسلّمه”، الأوصاف الوظيفية الجديدة تتطلب وعيًا بالمنصات، وتعددًا في أشكال الإنتاج، وفهمًا لكيفية قياس الأداء.
حتى في مستوى التنفيذ، أصبح التفكير بالمحتوى مطلوبًا.
إذًا ما الذي يتقلّص فعلًا؟
نمط عمل بعينه، وهو نمط التنفيذ المجرّد الذي يتلخّص في تسلّم المهمة، وكتابة القطعة، ثم تسليمها، ولا يتضمن رأي في الاستراتيجية، ولا فهم حقيقي للجمهور، ولا قياس لما حدث بعد النشر.
وهنا يتّضح التشابه مع ما وصفه مات ديمون، جملة “كرر الحبكة لأن المشاهد منشغل بهاتفه” هو المعادل السينمائي لعبارة “اكتب لي هذا المقال وسلّمه حسب البريف”، كلاهما يتعامل مع العمل الإبداعي كوحدة إنتاج قابلة للتكرار، وليس كعمل منفصل يحتاج حكمًا بشريًا وتفكيرًا نقديًا.
كان هذا النمط، بالطبع، يصلح حين كان إنتاج الكلمات نفسه مكلفًا ويحتاج وقتًا ومجهودًا. لكن الآن، مع توافر أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج النصوص رخيصًا وسريعًا. لذا، ما تبقى أصبح نادرًا وهو شيء مختلف: الحكم التحريري، أو قدرتك على أن تقرر ماذا يستحق أن يُكتب أصلًا، ولمن، وبأي أسلوب سرد، ولماذا الآن تحديدًا.
وهذا يعني، إن مددنا خط المنطق إلى نهايته، أن كاتب محتوى مبتدئًا يفهم لماذا يكتب ما يكتبه، ويسأل عن الجمهور والسياق قبل أن يبدأ الصياغة، سيكون غالبًا في وضع أفضل من كاتب بخبرة عشر سنوات أمضاها في تسلّم المهام وتنفيذها المجرّد دون أن يسأل مرة واحدة: هل كان يجب أن نكتب هذا أصلًا؟
تمامًا كما أن مسلسل Adolescence، بلقطاته الصامتة ومشاهده البطيئة، تفوّق على أعمال صُمّمت لتكرر حبكتها أربع مرات.
ولكن لنفهم صورة الانقسام بالكامل، علينا أن ننظر إلى الطرف الآخر: ما الذي ظنّ الناس أنه سيحميهم ولم يفعل؟
أين الأمان؟
هل تذكر النصيحة المتكررة: “تعلّم هندسة الأوامر (Prompt Engineering) وستكون بأمان”؟
حسنًا، استنادًا إلى بيانات Semrush، هندسة الأوامر تظهر في أقل من 0.5% من إعلانات التوظيف. المدير التقني لشركة Nationwide وصف الأمر بوضوح قائلًا: أصبحت تلك قدرة ضمن مسمّيات وظيفية أخرى، وليس مسمّى وظيفيًا قائمًا بذاته.
بيانات منصة التوظيف Indeed تؤكد هذا الاتجاه، فالبحث عن وظائف هندسة الأوامر بلغ ذروته في أبريل 2023، ثم تراجع مع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها.
لذا أصبحت نصيحة “تعلّم كتابة البرومت وستكون بخير” نصيحة بلا سند حقيقي في سوق العمل الفعلي.
على الجهة المقابلة، المؤهلات التقليدية لم تصمد هي الأخرى، لأن الطلب على شهادات اللغة الإنجليزية في إعلانات التوظيف انخفض بنسبة 47%، والصحافة بنسبة 37%.
لاحظ المفارقة هنا: لا المؤهلات القديمة حمت أصحابها، ولا الحيل الجديدة أنقذت من راهن عليها. ما يكافئه السوق الآن هو مزيج مختلف: تفكير استراتيجي بالمحتوى، وقدرة على بناء سرد متماسك، ومعرفة بتحليل الأداء وقياس الأثر.
وهو ما يقودنا إلى سؤال نحتاج أن نكون صريحين بشأن إجابته.
ماذا عن السوق العربي؟
لا توجد دراسة مكافئة لسوق العمل العربي في مجال المحتوى. بيانات منصة Semrush أمريكية بالكامل، ونقلها إلى سياقنا دون تحفّظ لن يكون دقيقًا.
لكن القوى الهيكلية نفسها موجودة عندنا؛ الذكاء الاصطناعي يدخل بيئة العمل العربية بقوة، والمحتوى يُنتَج بوفرة متزايدة. والشركات، ببطء لكن بوضوح، بدأت تسأل أسئلة مختلفة عمّا كانت تسأله قبل سنتين.
تقرير Mordor Intelligence لعام 2026 عن سوق التسويق في الشرق الأوسط يشير إلى ندرة الكفاءات ثنائية اللغة القادرة على العمل بالبيانات، مع سباق استحواذ على الوكالات التي تملك هذه الكفاءات. بعض الشبكات الكبرى أطلقت أكاديميات في 2026 لتأهيل كتّاب محتوى عربي مبتدئين.
لاحظ المفارقة هنا، فالسوق الأمريكي يعيد هيكلة طبقة التنفيذ المجرّد من التفكير. والسوق العربي، على الأرجح، لا يزال يبني طبقته التنفيذية الأساسية. الاتجاه واحد، لكن التوقيت مختلف.
ما علاقة هذا بما نحاول بناءه في محتواك؟
حين يتغيّر السياق، لا تموت الصنعة، بل تنقسم.
في السينما، حدث الانقسام بين من يكرر الحبكة لمشاهد نصف منتبه، ومن يراهن على أن عمله يستحق الانتباه الكامل. وفي المحتوى، يحدث الانقسام بين من ينفّذ المهام فقط، وبين من يملك الحكم التحريري الذي يقرر أيّ المهام تستحق التنفيذ أصلًا.
لم يخلق الذكاء الاصطناعي هذا الانقسام، لكنه سرّعه وأظهره بوضوح، لأنه جعل التنفيذ رخيصًا، فكشف أن التنفيذ وحده لم يكن يومًا هو القيمة الحقيقية.
نحن في محتواك لم نبدأ من هذا الوضوح. في البداية، كنّا نفكّر في تعليم كتابة المحتوى كمهارة، بالطريقة التقليدية. لكن مع التجربة، أصبح واضحًا أن المهارة وحدها لا تكفي حين تتغيّر البيئة التي تعمل فيها. ما يصمد حقًا هو منهج التفكير.
لذلك بنينا منهجنا حول فكرة محددة: أن القيمة الحقيقية تكمن في التفكير بالمحتوى، وليس في إنتاجه. لم نكن نملك بيانات بهذا الحجم حين بدأنا، كنّا نرى النمط من داخل عملنا اليومي. والآن، البيانات تذكر ما كنّا نلاحظه، لكن بأرقام واضحة.
السؤال الآن ليس هل ستموت كتابة المحتوى؟ السؤال الأهم: على أيّ جانب من هذا الانقسام ستبني مهاراتك؟