“اكتب مقالًا في دقيقة واحدة!”.
هذا ما تعدك به عشرات الإعلانات وأدوات الذكاء الاصطناعي، وهذا ما تجده في العديد من المنشورات من حولك على مواقع التواصل الاجتماعي. تجرّب ذلك بالفعل، تفتح الأداة، تكتب أمرًا من مجموعة كلمات، وفي ثوانٍ يظهر أمامك مقال كامل. سرعة مذهلة، أليس كذلك؟
لكن هل سألت نفسك يومًا: هل ما أبحث عنه فعلًا هو السرعة؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الذي يجب أن تراهن عليه فعلًا؟
نحن هنا سنخبرك كيف لا تكتب هذا المقال في دقيقة بالذكاء الاصطناعي، للأسباب التالية.
النتيجة السريعة عامة ولا تفيد أحدًا
حين تطلب من أداة ذكاء اصطناعي كتابة مقال في دقيقة، ما الذي تحصل عليه فعلًا؟
تحصل على نص متماسك هيكليًا، جمله صحيحة نحويًا، يغطي النقاط الأساسية للموضوع. لكن هذا بالضبط ما يحصل عليه كل شخص آخر طلب نفس الموضوع. المحتوى السريع محتوى عام بطبيعته، يعيد تدوير ما هو موجود على الإنترنت، يكرر النقاط ذاتها بصياغات مختلفة، يفتقر للعمق الذي يجعل القارئ يتوقف ويقول: “هذا مختلف”.
وهذا ما تؤكده الأرقام أيضًا، بحسب دراسة أجرتها NP Digital على 744 مقالًا عبر 68 موقعًا، حقق المحتوى الذي كتبه بشر زيارات أعلى بـ5.44 مرة من المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، أي أكثر من خمسة أضعاف. والسبب لا يتعلق بمدى تقبل الجمهور للذكاء الاصطناعي أو لا، بل أنهم يبحثون عن قيمة حقيقية، والمحتوى العام لا يقدمها.
اقرأ أيضًا: هل هذا المقال مكتوب بالذكاء الاصطناعي؟
والمشكلة أعمق في المجالات التي تتطلب خبرة حقيقية. في مجالات مثل المالية والصحة والقانون، لا يصمد المحتوى العام، سواءٌ أمام القراء أو محركات البحث. تحتاج هذه المقالات ما تسميه شركة جوجل E-E-A-T: وهي أقرب لإطار عام يقيّم المحتوى من 4 نقاط رئيسية: الخبرة والتجربة والسلطة والموثوقية.
والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي مهما كان سريعًا، فهو لا يملك تجربة يرويها، ولا خبرة اكتسبها من الممارسة. فكّر في الأمر من زاوية القارئ: لماذا يقرأ مقالك تحديدًا إذا كان يستطيع الحصول على نفس المعلومات من عشرات المقالات الأخرى، أو ربما من الذكاء الاصطناعي مباشرة؟ ما الذي تضيفه أنت؟
هنا تكمن المفارقة؛ حين تستخدم الذكاء الاصطناعي لتكون أسرع، تنتج محتوى يشبه كل المحتوى الموجود. وحين يشبه محتواك كل شيء آخر، يصبح لا شيء مميزًا. السرعة التي ظننت أنها ميزة تتحول إلى نقطة ضعف، لأنك أنتجت بسرعة ما لا يريده أحد.

الكتابة جزء من العملية
لنفترض أنك قررت أن السرعة أولوية لاحتياج العمل. حتى في هذه الحالة، هل أنت فعلًا توفر وقتًا؟
تخبرك الإعلانات أن الذكاء الاصطناعي يكتب المقال في دقيقة. لكنها لا تخبرك بما يحدث بعد ذلك من عمليات: المراجعة – التدقيق – إعادة الصياغة – التحقق من المعلومات – إضافة أمثلة حقيقية – تعديل النبرة لتناسب جمهورك. لا تختفي هذه المراحل لمجرد أن المسودة الأولى جاءت سريعًا.
لاحظ أننا هنا نفترض أصلًا أنك وصلت إلى محتوى يمكن العمل عليه في المراحل اللاحقة لعملية الكتابة، لا أنه يحتاج إلى تعديلات جوهرية فيما قُدّم إليك، وهو ما يعني العمل مرة أخرى على النتيجة لتصل إلى مسودة جيدة، وبعدها تنطلق في المراحل التالية للكتابة.
وهذا سببه أن الذكاء الاصطناعي لا يعرفك تلقائيًا. نعم، يمكنك تدريبه على أسلوبك، وتزويده بسياق عن جمهورك، وبعض الأدوات تتذكر تفضيلاتك عبر المحادثات. لكن هذا التعريف والتدريب يحتاج وقتًا وجهدًا، وهو ما لا تذكره الإعلانات التي تعدك بمقال في دقيقة. وحتى مع هذا التدريب، قد ينتج نصًا سليمًا لغويًا يقترب من أسلوبك، لكنه يظل يفتقر للتجربة الحقيقية والأمثلة الحية التي تضيف القيمة الفعلية للمحتوى.
نحن طبعًا لا ننكر أبدًا أنه يساعد على توفير الوقت، ونحن نستخدمه يوميًا في جميع أعمالنا، وبلا شك هو لعب دورًا جوهريًا في كتابة هذا المقال، لكننا نكره اختزال العملية في خطوة واحدة. الوقت الحقيقي لإنتاج المحتوى هو وقت العملية الكاملة: البحث – التخطيط – الكتابة – المراجعة – التحرير. يختصر الذكاء الاصطناعي جزءًا صغيرًا من هذه السلسلة، بينما يترك لك الباقي.
محركات البحث لا تحب المحتوى منخفض الجودة
لنفترض أنك قبلت بكل ما سبق، توجد مشكلة أكبر: محركات البحث نفسها لا تريد هذا المحتوى.
في مارس 2024، أطلق جوجل تحديثًا أساسيًا، كان بمثابة حملة تنظيف واسعة استهدفت المحتوى منخفض الجودة والمحتوى المولّد آليًا بكميات كبيرة. نتيجة لذلك تراجعت مئات المواقع بشكل حاد في نتائج البحث في الأسابيع الأولى فقط.
كشفت التحليلات التي تلت التحديث نمطًا واضحًا، فبحسبدراسة أجرتها Originality.ai على المواقع التي تلقت عقوبات يدوية من جوجل، وُجد أن 100% منها احتوت على محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي، و50% منها كان 90-100% من محتواها مولّدًا آليًا. راهنت هذه المواقع على السرعة والكمية، فخسرت كل شيء.
لكن الأرقام الأهم تتعلق بما يظهر فعلًا في نتائج البحث. وفقًا لتقرير من Axios استند إلى بيانات Graphite، فإن 86% من المقالات التي تظهر في نتائج بحث جوجل كتبها بشر، مقابل 14% فقط مولّدة بالذكاء الاصطناعي.
لا بأس أنت لا تهتم بجوجل وتريد التركيز على ظهور مقالاتك في أدوات الذكاء الاصطناعي، ولو افترضنا أنه يمكن الفصل بين الاثنين وقبلنا الفكرة العامة، دعنا نخبرك أن النمط نفسه يتكرر في روبوتات المحادثة؛ 82% من المقالات التي يستشهد بها ChatGPT وPerplexity كتبها بشر.
الرسالة واضحة من كل ذلك: يكافئ السوق الجودة، وتتعلم محركات البحث التمييز بين المحتوى القيّم والمحتوى المُصنّع بسرعة. والمواقع التي اعتقدت أنها تسبق المنافسين بإنتاج محتوى أسرع وجدت نفسها خارج اللعبة تمامًا. السرعة التي ظننتها ميزة تنافسية قد تكون بالضبط ما يُخرجك من السباق.
لا يمكننا منافسة الذكاء الاصطناعي في السرعة.. وليس علينا ذلك
والآن نصل إلى السؤال الجوهري: إذا كانت السرعة تنتج محتوى عامًا، وإذا كانت لا توفر وقتًا حقيقيًا، وإذا كانت محركات البحث تعاقبها؛ فلماذا نتسابق عليها أصلًا؟
الحقيقة التي يجب أن نواجهها كصنّاع محتوى بسيطة: لن نفوز على الذكاء الاصطناعي في السرعة. أبدًا. هذا مجاله، هذه ميزته التنافسية. يمكنه توليد آلاف الكلمات في ثوانٍ، ويمكنه إنتاج عشرات المقالات في الوقت الذي تكتب فيه فقرة واحدة. إذا قبلت السرعة كمعيار للمنافسة، فأنت تخسر قبل أن تبدأ في معركة غير متكافئة على الإطلاق.
لكن الحقيقة أن السرعة ليست ما يبحث عنه القارئ. يبحث القارئ عن إجابة لسؤاله، عن حل لمشكلته، عن منظور جديد لم يسمعه من قبل. يبحث عن شخص يفهم سياقه ويتحدث بلغته ويشاركه تجربة حقيقية. هذا ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديمه.
تشير دراسات مقارنة المحتوى البشري بالمولّد آليًا إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكنه الهيكلة والتلخيص والتسريع، لكن حين يتعلق الأمر بالتعاطف والأصالة والتجربة؛ يفوز الكاتب البشري دائمًا. هو – الذكاء الاصطناعي لا الإنسان – يستطيع تقليد الخبرة، لكنه لا يملكها.
هذه هي ميزتك التنافسية الحقيقية: أنت عشت تجارب لم يعشها، تعلمت دروسًا من الممارسة، تفهم جمهورك لأنك جزء من سياقه. هذا لا يُصنّع في دقيقة ولا يُولّد بضغطة زر.
المفارقة إذن ليست: هل تريد السرعة أم الجودة، المفارقة أن السرعة بدون جودة لا تساوي شيئًا. محتوى سريع لا يقرأه أحد، ولا يظهر في نتائج البحث، ولا يبني ثقة مع جمهورك؛ ما قيمته؟
الرهان الصحيح ليس أن تكون أسرع. الرهان الصحيح أن تكون أعمق وأصدق وأكثر فائدة. هذا ما يبقى فقط؛ وهذا ما لا يستطيع أحد، ولا أي أداة، أن يأخذه منك، إذا فعلته بطريقة صحيحة بالطبع.