الذكاء الاصطناعي سيستبدلك.. فتّش عن السردية

سردية الذكاء الاصطناعي

“الذكاء الاصطناعي سيستبدلك”.

أنا متأكد أنك قرأت هذه الجملة كثيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي على مدار السنوات الأخيرة، يشاركها أشخاص يتحدثون بثقة مطلقة، وكأنهم يحتكرون الحقيقة ويملكون الإجابة الواضحة لما سيحدث في المستقبل فعلًا، بل وأصبحت أنت أيضًا تردد هذه الأفكار مثلهم. فهل هذا صحيح حقًا؟ نحن نختلف مع ذلك تمامًا.

نحن هنا لا لندافع عن صنّاع المحتوى، ولا لطمأنتهم بفكرة عكسية عن الذكاء الاصطناعي، ولا لنقدم لهم أي وعود بشأن المستقبل. نحن هنا لنقول بوضوح: ما تسمعه من حولك ليس حقيقة، بل سردية.

شركات تسرّح الموظفين: هل المشكلة في الذكاء الاصطناعي فعلًا؟

هذه الحجة الأكبر لجميع من يتحدث عن الاستبدال بالذكاء الاصطناعي، يستخدم قصص الشركات الكبرى التي تسرّح آلاف الموظفين وتُحيل السبب إلى الذكاء الاصطناعي. بالطبع يترك ذلك انطباعًا أن الأداة حلّت مكانهم فعلًا، وهذا يجعل السردية قريبة من كونها حقيقية.

لكن ماذا لو نظرنا عن قرب، هل القصة هكذا فعلًا؟

نُشر مطلع 2026 تقرير من Oxford Economics يوضح أن الذكاء الاصطناعي ذُكر كسبب لنحو حوالي 55 ألف حالة تسريح في أمريكا خلال 2025. يبدو الرقم كبيرًا، لكن كم يمثل من إجمالي حالات التسريح؟ 4.5% فقط، والسبب الأكبر كان في الحقيقة هو ظروف السوق والاقتصاد، وهذا في حوالي 245 ألف حالة، أي أربعة أضعاف الذكاء الاصطناعي.

رغم ذلك ربما ترى أن الرقم الخاص بالذكاء الاصطناعي لا يزال كبيرًا ومقلقًا، ويؤكد جزئيًا السردية التي نناقشها هنا. لكن مرة أخرى لو نظرنا بقرب سنكتشف زاوية أخرى للحكاية. يتحدث الباحثون والمحللون الآن عن ظاهرة الغسل بالذكاء الاصطناعي AI Washing، وهي ببساطة أن الشركة تنسب قرارات التسريح إلى الذكاء الاصطناعي، بينما الأسباب الحقيقية مالية بحتة.

ببساطة العديد من هذه الشركات وظّفت الكثير من الموظفين في أثناء جائحة كوفيد-19 لإدارة نمو الطلب وقتها، وتبحث الآن عن تصحيح مسار؛ ليس شرطًا أنها تخسر الآن، بل هي تبحث عن تعظيم للربحية باستمرار.

وبالطبع من جانب آخر تسعى هذه الشركات للاستفادة من انتشار فكرة الذكاء الاصطناعي الآن، لأن عبارة “نحن نستثمر في الذكاء الاصطناعي ونعيد هيكلة فرقنا” هي عبارة جاذبة للمستثمرين، وتعطي انطباعًا جيدًا عن الشركة في وقت يتجه فيه العالم نحو الاستثمار في هذا القطاع.

أي أن الشركة هنا تضرب عصفورين بحجر واحد، فهي سواءٌ تحتاج لتعظيم ربحيتها أو حتى هي تخسر فعلًا وتريد تصحيح مسارها، فهي تستفيد من عرض الأمر في سياق يساعدها على تحقيق هدف آخر متعلق بالاستثمار والنمو.

ربما تقول الآن، وحتى لو كانت هذه الأسباب فعلًا، بالتأكيد ستبقي الشركة على أولئك الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وبالتالي هذا دافع مهم لي لتعلمه وحماية نفسي، ونقول لك أنه حتى في سياق هذه الشركات، فهذا لا يضمن لك شيئًا.

على سبيل المثال أحد عمليات التسريح التي نفذتها شركة أمازون، كانت موظفة تصف نفسها بأنها مستخدمة للذكاء الاصطناعي بكثافة، بل وطوّرت أدوات للاستخدام خصيصًا داخل فريقها، وكذلك مع بعض فرق العملاء.

ما حدث ببساطة هو أنه تم تسريحها وتوظيف شخص أقل خبرة بتكلفة أقل للعمل بدلًا منها حسبما ترى هي، حيث طُلب منها مشاركة تحديثات ما تفعله الآن، لأن هناك شخص آخر سيكلف بالعمل عليه. وحتى إذا لم يُوظّف بدلًا منها شخص آخر، فالمقصد هو أن وجود الذكاء الاصطناعي ليس حماية لأحد.

الذكاء الاصطناعي أحدث تغييرًا حقًا لا ننكر ذلك

هذا لا يعني أبدًا أن الذكاء الاصطناعي لم يغيّر شيئًا، لكنه يعني أن ربط كل أخبار التسريح بأن الذكاء الاصطناعي يستبدل البشر هو تبسيط مخل جدًا للحقيقة. ما يحدث هو أن الشركات الكبرى تتحرك بمنطق الربحية وإرضاء المستثمرين، وأصبح الذكاء الاصطناعي الغطاء الأسهل لتمرير هذه القرارات.

قد يبدو لك أننا نحاول الانتصار لسردية موازية، لكن الفكرة التي نراها ببساطة أن الواقع أصلًا أكثر تعقيدًا، لم يظهر أثر الذكاء الاصطناعي بعد بالصورة الفجة التي يُروّج لها، والموجود حولنا سرديات لا تدعمها دراسات عميقة بعد.

نحن لا زلنا في مرحلة مبكرة جدًا من استخدام هذه الأدوات، ومن غير المنطقي أن نبني أحكامًا نهائية على تقنية لم تستقر بعد ولم تكتمل دورتها في السوق، لكن هذه الأحكام تصدر الآن عمّن يستفيدون من وجود هذه الأفكار.

لذا المرة القادمة حين يقول لك أحدهم: سيستبدلك الذكاء الاصطناعي، اسأله سؤالًا واحدًا: بناءً على ماذا؟ في الغالب لن تجد إجابة واضحة. ستجد انطباعات، وتجارب فردية، وعناوين مقالات مثيرة، لكن لن تجد دراسة واحدة حقيقية تقول لك بشكل قاطع: صنّاع المحتوى سيختفون خلال العام القادم مثلًا.

سردية الذكاء الاصطناعي

المفارقة: كيف تُستخدم السردية ضدك بتناقض شديد؟

حين تسمع الذكاء الاصطناعي سيستبدلك أكثر من مرة، يتحرك شيءٌ ما بداخلك. لا تناقش الجملة لكنك تبدأ في التصرف على أساسها. ربما تفكر حتى في قبول شروط في العمل لم تكن تناسبك قبل أعوام قريبة خوفًا من ألّا يأتيك شيء آخر. تفعل ذلك لا لأن عملك أصبح أقل قيمة، بل لأن فكرة الاستبدال سائدة من حولك وأصبحت تخشاها فعلًا.

لكن الآن لنلاحظ المفارقة! نفس صاحب العمل الذي يخبرك بأنك ستستبدل، هو نفسه الذي يطلب منك استخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز ضعف العمل بالأجر ذاته، بل وربما أقل منه. فكّر في هذا للحظة: لو كانت الأداة تستطيع فعلًا أن تحل مكانك، لماذا لا يستخدمها هو مباشرةً ويستغني عنك؟

بالطبع يفعل البعض هذا الأمر، نحن ندرك ذلك. لكن هؤلاء هم أنفسهم الموجودين منذ زمن، ويخبرونك أنه يمكنني فعل ذلك بسهولة لولا انشغالي، أو سأطلب من أخي الصغير كتابة هذا المحتوى، أو قدّم لي صانع محتوى آخر سعرًا أقل سأعمل معه. أي أنك ببساطة كنت لتخسر هذا العميل في جميع الأحوال، أو كنت ستعاني معه وإن اختلفت الأسباب.

أمّا العميل الذي يفهم قيمة المحتوى الحقيقية، فهو يدرك أن الأداة وحدها لا تكفي. يعرف أنها تحتاج إلى شخص يفهم السياق، وأن الإنتاجية لا تتعلق فقط بما تقدمه أدوات الذكاء الاصطناعي. لكنه يستخدم سردية الاستبدال كأداة ضغط ليحصل على هذا كله بتكلفة أقل.

المعادلة ببساطة؛ يُقال لك: أنت قابل للاستبدال، حتى تقبل بأقل. ثم يُطلب منك أن تستخدم الأداة التي يُفترض أنها ستحل مكانك لتنتج أكثر مما كنت تنتجه من قبل. هذا ليس استبدالًا، هذا استخلاص لأقصى قيمة منك، مع دفع أقل ثمن ممكن.

والمشكلة أن كثيرًا من صنّاع المحتوى لا ينتبهون لهذا. يظنون أن المشكلة في مهاراتهم، أو أن السوق تغيّر حقًا ولا خيار أمامهم. بينما ما يحدث في كثير من الحالات هو أن السردية نفسها أصبحت أداة تفاوض في يد الطرف الآخر، ونحن نقبل بها كأنها حقيقة ما يقوّي موقف هذا الطرف تمامًا.

لا أعرف ما سيحدث مستقبلًا.. لكنني أملك أربعة نصائح

لن أتظاهر بأنني أملك أي إجابة عن المستقبل، لا القريب ولا البعيد. لا أعرف يقينًا كيف سيبدو سوق المحتوى، وأؤمن أنه لا أحد يعرف ذلك أيضًا، ولن أجادل في هذه النقطة فكفى ما تحدثنا عنه بالأعلى.

والحقيقة أنني لست يائسًا يرى أنه لا فائدة من أي شيء، فمثلًا أنا لا أحاول هنا أن أقول لك أن تعلم الذكاء الاصطناعي لن يفيدك، بل على العكس هذا الاتّجاه الحالي ولا مفر منه، أنا فقط أحاول بناء سردية أخرى متعلقة بالأمر حتى تفعله بالطريقة الصحيحة.

ما أعرفه ويكفيني الآن أننا جميعًا نجتهد في رحلتنا، نحاول فهم واقعنا وتفسيره حتى نتعايش معه بالصورة المناسبة. إذا كنت استوعبت الفكرة السابقة جيدًا، فأنا في هذا السياق أملك أربعة نصائح أثق بها بما يكفي لأشاركها معك، وهي تناسب الوضع الحالي، أو هكذا أتمنى.

النصيحة الأولى: استثمر في نفسك أنت، لا في إنتاجية شخص آخر

يوجد فارق كبير بين أن تتعلم شيئًا لأنه يجعلك أفضل، وأن تتعلمه لأن صاحب العمل يريد إنتاجًا أكبر بتكلفة أقل. حين تتعلم مهارة جديدة، اسأل نفسك: هل هذا يضيف إلى قيمتي أنا، أم يضيف فقط إلى ما أقدمه لغيري مقابل نفس العائد؟

الاستثمار في ذاتك يعني أن تبني شيئًا يبقى معك أينما ذهبت، لا شيئًا يتبخر لحظة انتهاء عقدك مع عميل أو شركة. بالطبع لا يعني ذلك أنني أقول لك لا تنفذ العمل المطلوب منك، لكن أطلب منك التفكير في ذاتك كأولوية.

النصيحة الثانية: لا تقبل السردية كأنها واقع

نعم، بعض الشركات تتصرف فعلًا وكأن الذكاء الاصطناعي استبدل أو سيستبدل كتّاب المحتوى، هذا حقيقي وموجود. لكن وجود شركات تفعل ذلك لا يعني أن السوق كله يتحرك بنفس الاتجاه، بل وبعض الشركات أصبحت تدرك قيمة صانع المحتوى المتميز.

السردية في جوهرها منظور يحاول أصحابه إقراره كواقع ليتصرف الناس وفقًا له، لكن هذا لا يحولها إلى حكم عام على الجميع. حين تقبلها أنت كحقيقة مطلقة، تبدأ في اتّخاذ قراراتك بناءً على الخوف، لا بناءً على التقييم الحقيقي للوضع، فتتحرك بطريقة خاطئة نوعًا ما.

والأسوأ أنك تساهم في تعزيز وجود السردية، بمعنى أننا لا نعد بحاجة لإثبات إذا كانت السردية حقيقية أو لا، لأن الناس تبنوها بصورة جعلها تتنشر بكثرة، وهذا يزيد من نسبة قبولها حتى لو كانت مجرد آراء وفرضيات.

النصيحة الثالثة: تخلّص من العقلية المطلقة

لن يستبدلك الذكاء الاصطناعي بالكامل غدًا، وليس مجرد أداة بسيطة تسهّل عملك إذا استخدمت أوامر جاهزة من التي تراها كل يوم من حولك. الحقيقة في مكان ما بين الاثنين، وهي أعقد من أن تُختصر في جملة واحدة.

مشكلة العقلية المطلقة أنها تمنعك من رؤية الصورة كما هي. تجعلك إمّا في حالة ذعر دائم أو في حالة إنكار تام، وكلاهما يمنعك من بناء رؤية حقيقية وصادقة تنطلق منها في تطوير نفسك.

النصيحة الرابعة: تعلّم الذكاء الاصطناعي ليضاعف إنتاجيتك، لا ليعمل بديلًا عنك

ولهذه النصيحة مسمى داخلي آخر بيننا في محتواك: لا تجعل الاستبدال نبوءة ذاتية التحقق. بمعنى أنك تستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة تجعله يستبدلك فعلًا، لأنك تخسر قيمتك في مقابل ترك كل شيء للأداة، ما يجعلك قابلًا للاستبدال لا من الأداة فقط، إنما من جميع صنّاع المحتوى من حولك.

تذكر دائمًا أن الهدف ليس أن تصبح وسيطًا بين العميل والأداة، الهدف أن تضيف الأداة إلى قدراتك أنت، وتستخدمها لتختصر الوقت في المهام التي لا تحتاج تفكيرًا عميقًا، فتتفرغ للعمل الذي يحتاج إلى خبرتك ورؤيتك، المهم أن تظل إمكانياتك حاضرة فعلًا، فلا تترك كل شيء للأداة.

كلمة أخيرة

مرة أخرى أؤكد لك أننا لم نكتب هذا المقال لنقول لك: لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام، نحن لا نعرف ذلك ونحن نقلق من المستقبل أيضًا. ولم نكتبه لنقول لك: الذكاء الاصطناعي لن يغيّر شيئًا، هذا غير صحيح أيضًا، فهو من الابتكارات الأكثر تأثيرًا في حياتنا المهنية، وبالتأكيد له آثاره الواضحة التي لم يعد هناك مجال لإنكارها.

كتبناه لنقول لك شيئًا واضحًا: فتّش عن السردية قبل أن تبني عليها قراراتك. السردية ليست حقيقة، السردية أداة وأحيانًا تكون أداة ضغط أو توجيه، فمن قائلها وما أسبابه وماذا يدعم كلامه؟ هذا أهم من الكلمات نفسها. على سبيل المثال، حين تقرأ خبرًا عن شركة سرّحت موظفيها بسبب الذكاء الاصطناعي، اسأل نفسك: هل هذا ما حدث حقًا، أم هذا ما أرادت الشركة أن تسمعه؟

وبالمناسبة نحن لسنا في معزل عن ذلك، حتى مقالنا هذا كما يبدو منه سردية لا حقيقة. ما تحتاجه فعلًا ليس أن تصدّق سردية أو تكذّب أخرى. ما تحتاجه هو التوقف عن التفكير بمنطق الآخرين، وتبدأ في تكوين رؤيتك أنت، وهذا شيء صعب ويحتاج إلى مجهود، لكنه على الأقل سيمنحك رؤية صادقة مبنية على معرفة وبحث، لا على عنوان منشور قرأته في مواقع التواصل الاجتماعي.

شارك المقال:

معاذ يوسف كاتب المقال

مؤسس مشارك والرئيس التنفيذي للأعمال

أفكار مترابطة