خرافة المحتوى الإبداعي.. لماذا نطارد السؤال الخاطئ؟

في كل مرة نجلس فيها لصناعة محتوى جديد، يطاردنا سؤال خفي: هل هذا المحتوى إبداعي بما يكفي؟

يبدو هذا السؤال واضحًا وجادًا في محاولة للتحسين، لكن الحقيقة أنه قد حان الوقت لسؤال آخر: عندما نقول محتوى إبداعي، فهل نحن نسأل السؤال الصحيح أصلًا؟

السؤال المؤسس: ما المقصود أصلًا بالمحتوى الإبداعي؟

“أريد محتوى إبداعي”، “نحتاج أفكارًا إبداعية”، “المحتوى يفتقر للإبداع”.

نسمع هذه العبارات كثيرًا في عالم صناعة المحتوى، لكن الإشكالية الحقيقية التي لا يجيب عليها أحد هي: ما الذي نعنيه تحديدًا بكلمة إبداعي؟ وهل الإجابة واضحة فعلًا لهذا السؤال؟

يقوم التعريف الأكثر شيوعًا للإبداع في الأوساط الأكاديمية على معيارين:

  • الجِدّة novelty: أن تكون الفكرة جديدة أو أصلية.
  • النفع usefulness: أن تكون الفكرة مفيدة أو ملائمة للسياق.

يبدو التعريف واضحًا ومنطقيًا، لكن المفارقة أن الباحثين أنفسهم يعترفون بأنه لا يوجد اتفاق كامل على المعنى الدقيق لأي من هذين البُعدين، ولا على العلاقة بينهما، ولا حتى على العملية التي تُنتجهما.

يزداد الأمر تعقيدًا حين نضع هذا التعريف في سياق صناعة المحتوى، فالجِدّة هنا ستكون مفهوم نسبي تمامًا، ببساطة سيكون السؤال؛ جديد بالنسبة لمن؟ بالنسبة لصانع المحتوى نفسه؟ بالنسبة للجمهور المستهدف؟ بالنسبة للسوق كله؟ وبأي مقياس نحدد أن فكرة ما جديدة في عالم يُنتج فيه ملايين القطع من المحتوى يوميًا؟

وسيخضع النفع أيضًا لتساؤلات مماثلة: محتوى نافع لتحقيق ماذا؟ زيادة التفاعل؟ بناء الثقة؟ تحقيق مبيعات؟ كل هدف قد يتطلب نوعًا مختلفًا من المحتوى، وما يُعد نافعًا في سياق قد يكون عديم الجدوى في سياق آخر.

يُفسّر هذا الغموض في التعريف جزءًا كبيرًا من الإحباط الذي يشعر به صنّاع المحتوى. حين يُطلب منك تقديم محتوى إبداعي دون تعريف واضح لما يعنيه ذلك، فأنت في الحقيقة كمن يُطارد شبحًا. والأسوأ أن الحكم على إبداعية المحتوى غالبًا ما يكون ذاتيًا ومتغيرًا، فما يراه شخص إبداعيًا قد يراه آخر عاديًا تمامًا.

إشكالية الجِدّة: هل الإبداع يعني بالضرورة فكرة جديدة؟

لنفترض أننا اتفقنا على أن الجِدّة عنصر أساسي في الإبداع، وأن كل فكرة إبداعية جديدة. يبقى السؤال هنا: هل كل فكرة جديدة بالضرورة إبداعية؟

إذا فكرنا في إجابة السؤال من هذه الزاوية سنكتشف ثغرة واضحة في هذا المنطق. فكرة جديدة تمامًا لكنها سيئة التنفيذ، أو غير ملائمة للجمهور، أو مستحيلة التطبيق؛ هل نصفها بالإبداعية لمجرد أنها جديدة؟

بالإضافة لنقطة أخرى مفاجئة تقدمها لنا الدراسات هنا، فبحسب عدد من الدراسات منها دراسة منشورة في Frontiers in Neuroscience، فإن الإبداع لا يتحقق عند أقصى درجات الجِدّة، بل عند مستوى متوسط منها.

الجِدّة المفرطة مقصود بها الأفكار البعيدة جدًا عن المألوف، فهي في الواقع لا تُنتج تواصلًا حقيقيًا مع المتلقي. بل إن بعض الأعمال الفنية العظيمة رُفضت عند عرضها الأول لأنها كانت جديدة أكثر من اللازم، ولم تُقدَّر قيمتها إلا بعد أن أصبحت مألوفة بما يكفي ليستوعبها الجمهور.

وهنا تظهر إشكالية عملية في سياق صناعة المحتوى: حتى لو استطعت إنتاج فكرة جديدة فعلًا، هل سيتقبلها الجمهور؟ أم ستكون غريبة بدرجة تجعلها تفشل في تحقيق أي أثر؟ والأمر لا يتوقف هنا. فالسؤال الأعمق هو: هل توجد أصلًا مساحة حقيقية لإنتاج أفكار جديدة كليًا؟ أم أن ما نظنه جديدًا هو في حقيقته إعادة تركيب لعناصر موجودة؟

قضى صانع الأفلام الوثائقية كيربي فيرجسون سنوات في دراسة هذا السؤال، وخلص إلى نتيجة يلخصها في سلسلته الشهيرة Everything is a Remix: الإبداع ليس سحرًا، إنه تطبيق أدوات تفكير عادية على مواد موجودة مسبقًا.

النسخ هو أساس التعلم، ولا يمكننا تقديم شيء جديد حتى نُتقن لغة مجالنا، ونفعل ذلك عبر المحاكاة. لذلك عادةً يقضي كل الفنانون والمبدعون سنواتهم التأسيسية في إنتاج أعمال مشتقة من أعمال سابقة.

وهنا المفارقة: ما نُسميه إبداعًا ليس اختراعًا من العدم بالضرورة، بل إعادة تركيب ذكية لعناصر موجودة. الاختراعات الكبرى في التاريخ كما يرى فيرجسون — من مطبعة جوتنبرج إلى الإنترنت — لم تكن أفكارًا جديدة كليًا، بل كانت دمجًا مبتكرًا لأفكار موجودة.

الميزة في هذه الفكرة أنها تعفينا من عبء البحث الدائم عن الفكرة الجديدة كليًا، وتعيد توجيه طاقتنا للتفكير في سؤال آخر: كيف أبني على الأفكار الموجودة بطريقة مناسبة لجمهوري وتحقق أهدافي؟

وهذا ينقلنا إلى سؤال آخر، إذا كان جوهر الإبداع إعادة استخدام لما هو موجود، فكيف نفعل ذلك؟ هل ننتظر لحظة إلهام؟ أم أن الأمر يحتاج منهجية مختلفة؟”

أسطورة الإلهام: الإبداع ليس لحظة سحرية إنه نظام ومنهجية

يوجد تصور شائع عن الإبداع بصفة عامة لا فقط بما نناقشه هنا، وهو أنه لحظة إلهام مفاجئة، فكرة تومض في الذهن من العدم، عبقري يجلس وحيدًا ثم يصرخ “وجدتها!”. هذه الصورة رومانسية وجذابة، لكنها في معظم الأحيان أسطورة أكثر منها حقيقة.

يختصر فيرجسون العملية الإبداعية في ثلاث خطوات: انسخ، حوِّل، ادمج.

وهذا بالضبط ما يفعله صانع المحتوى الجيد، سواء أدرك ذلك أم لا. يتشرّب أفكارًا من مصادر متعددة، يُعيد صياغتها بطريقته، ثم يدمجها في سياق جديد يُناسب جمهوره. والحقيقة أن هذه الخطوات لا تحدث بالصدفة، إنها تحتاج نظامًا.

بحسب MIT Sloan Management Review، فإن القدرة على إنتاج أفكارًا إبداعية عند الطلب ليست سوى جزء من المعادلة. الأهم هو كيف تتحول الأفكار إلى فعل. في سياق الأعمال — وصناعة المحتوى جزء منه — الإبداع لا يكون مفيدًا إلا حين يُطبَّق بطريقة منهجية تُحقق نتائج.

هذا لا يعني أن الإلهام غير موجود أو غير مهم. لكنه يعني أن الاعتماد عليه وحده ليس استراتيجية يمكن البناء عليها. الإلهام يأتي ويذهب، لكن النظام يبقى. صانع المحتوى الذي ينتظر اللحظة السحرية قد يُنتج قطعة استثنائية بين الحين والآخر، لكن صانع المحتوى الذي يملك نظامًا واضحًا؛ روتين بحث، وعادات اطّلاع متنوعة، وعملية تجريب مستمرة، فهو يُنتج محتوى جيدًا باستمرار.

ربما السؤال الصحيح: ليس هل المحتوى إبداعي؟ بل هل المحتوى جيد وملائم؟

بعد كل هذا النقاش، نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: هل يوجد فعلًا ما يمكن تسميته محتوى إبداعي؟ الإجابة المختصرة: نعم ولا.

نعم، بمعنى أن هناك محتوى يُدهشنا، يُقدّم زاوية لم نفكر فيها، يجمع عناصر مألوفة بطريقة غير مألوفة. ولا، بمعنى أن هذا المحتوى ليس نتاج فكرة جديدة من العدم كما نتخيل، بل هو في الغالب نتاج نظام وتراكم وإعادة تركيب ذكية.

لكن السؤال الأهم ربما ليس هل المحتوى إبداعي؟”، لأن هذا السؤال يقودنا إلى متاهة التعريفات الغامضة والمعايير الذاتية. السؤال الأكثر فائدة هو: هل المحتوى جيد؟ هل يُحقق هدفه؟ هل يُلائم جمهوره؟

محتوى يُجيب على سؤال حقيقي لدى الجمهور، هذا محتوى جيد.

محتوى يُقدم معلومة معروفة لكن بأسلوب أوضح أو أعمق، هذا محتوى جيد.

محتوى يأخذ أفكارًا من مصادر متعددة ويدمجها في سياق يُناسب جمهورًا محددًا، هذا محتوى جيد.

لا يحتاج أيٍ من هذا أن يكون جديدًا تمامًا ليكون ذا قيمة.

ربما حان الوقت لنُخفف من عبء الإبداع الذي نحمله على أكتافنا، ونستبدله بسؤال أبسط وأكثر عملية: هل ما أصنعه يخدم من أصنعه لأجلهم؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهذا يكفي.

شارك المقال:

معاذ يوسف كاتب المقال

مؤسس مشارك والرئيس التنفيذي للأعمال

أفكار مترابطة