لماذا تنافس أداة ذكية؟

السؤال الذي يطرحه أغلب صنّاع المحتوى الآن هو: هل ستأخذ أدوات الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟

بينما السؤال الأدق هنا مختلف: لماذا تضع نفسك في منافسة مع الأداة أصلًا؟

لأنك إن كنت تبني مسيرتك المهنية على سرعة الكتابة، وكثرة الإنتاج، والقدرة على تسليم 20 مقالًا في الشهر، فأنت لا تواجه تهديدًا مستقبليًا. أنت تتنافس الآن مع شيء لا ينام، ولا يتقاضى أجرًا بالساعة، ويصبح أرخص كل ربع سنة.

وهذا ليس تهويلًا، هذا وصف دقيق لموقف يعيشه كثير من صنّاع المحتوى دون أن يلاحظوه.

المنافسة الخاطئة

النصيحة الأكثر تكرارًا في مجال المحتوى الآن هي: تعلّم أدوات الذكاء الاصطناعي. تسمعها في كل تدريب ومنشور ونصيحة مهنية. وهي نصيحة منطقية، لا خلاف على ذلك. لكنها تفترض أن المشكلة هي أنك لا تعرف كيف تستخدم الأداة. بينما المشكلة الحقيقية، في كثير من الحالات، تكون أعمق، وهي أنك تتنافس على نفس طبقة التنفيذ التي تعمل عليها الأداة.

في نوفمبر 2025، نشر معهد ماكنزي العالمي (McKinsey Global Institute) تقريرًا بعنوان “وكلاء، وروبوتات، ونحن”. دعنا نتوقف قليلًا عند الأرقام التي ذكرها التقرير.

الطلب على ما أسماه التقرير “الإلمام بالذكاء الاصطناعي” (AI Fluency)، أي القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وإدارتها، تضاعف سبع مرات في سنتين فقط. أسرع من أي مهارة أخرى في إعلانات التوظيف الأمريكية.

حسنًا، هذا يبدو مطمئنًا. تعلّم الأداة والسوق يكافئك. لكن هذا المنطق، وهنا تحديدًا يكمن الفخ، يشبه القول: تعلّم استخدام الآلة الحاسبة وستصبح عالم رياضيات. استخدام الأداة هو تذكرة الدخول، وليس الميزة التنافسية. الميزة تكمن في شيء آخر.

وهو ما يقودنا إلى السؤال الأهم: ماذا يحدث لطبقة التنفيذ التي تعمل عليها الأداة فعلًا؟

ماذا يحدث لطبقة التنفيذ؟

يشير التقرير نفسه إلى أن التقنيات المتاحة حاليًا قادرة -نظريًا- على أتمتة أنشطة تمثل 57% من ساعات العمل في الولايات المتحدة. ليس توقعًا بفقدان الوظائف، بل قياسًا لما تستطيع الآلة أداءه تقنيًا.

ومؤشر تغيّر المهارات (Skill Change Index) الذي طوّره التقرير يوضح أين يقع الضغط تحديدًا: المهارات الرقمية ومعالجة المعلومات هي الأكثر عرضة للتغيير خلال السنوات الخمس القادمة.

إذًا، ما المهارات الرقمية ومعالجة المعلومات بالنسبة لصانع المحتوى؟

نعم، هي كتابة المسودات الأولى، أو تجميع مصادر البحث، أو تنسيق المحتوى، أو تحسين محركات البحث بالطريقة التقليدية. إنتاج الكم، هذه هي “طبقة التنفيذ”. وهي ما يسميه أغلب صنّاع المحتوى “الشغل”.

لاحظ أنها الطبقة نفسها التي تعمل عليها الأدوات الذكية حاليًا. وبيانات التوظيف تؤكد ذلك، فذكر الكتابة الروتينية والبحث في إعلانات الوظائف بدأ يتراجع. هذا ليس تنبؤًا بالمستقبل، بل أمر يحدث الآن.

لذا، حين تبني مسيرتك المهنية على هذه الطبقة التنفيذية، فإنك لا تنافس كتّابًا آخرين فقط، بل تنافس أدوات ذكية. وهذه منافسة يصعب ربحها، ليس لأنك كاتب سيئ، بل لأنك اخترت أرضًا تملكها الآلة بطبيعتها.

ما الذي لا تنافسك عليه الأداة؟

لكن التقرير لا يقول إن كل شيء ينهار، بل يوضح أن طبيعة المهارات نفسها تتبدّل.

مثلًا، نحو 72% من المهارات المطلوبة حاليًا تُستخدم في أنشطة يمكن أتمتتها، ومهارات أخرى لا يمكن أتمتتها في الوقت نفسه. بمعنى أبسط: أغلب ما تعرفه يظل مطلوبًا في العمل، لكن مكان استخدامه وطريقته هما ما يتغيّر.

التقرير يصف هذا التحول بأن الموظف سيقضي وقتًا أقل في إعداد المستندات وإجراء البحث الأساسي، ووقتًا أكثر في صياغة الأسئلة وتفسير النتائج. الأدوات الذكية تتولى إنتاج المحتوى الأولي. والإنسان يتولى التنقيح والسرد، والتصميم الاستراتيجي، والحكم على جودة الناتج.

لكن هذا هو الجزء المهم لصانع المحتوى: الأداة لا تنافسك على كل شيء، فهي تنافسك على التنفيذ فقط. أما الحكم التحريري، عبر تحديد ما يستحق أن يُقال ولمن ولماذا، وتقييم مخرجات الأداة بدلًا من قبولها كما هي، وبناء سرد متماسك من أفكار متناثرة، هذه منطقتك أنت.

هذه ليست “مهارات ناعمة” كما يحب البعض تصنيفها، هذه هي المهارات التي تحدد ما إذا كان ما تنتجه الأداة الذكية يصلح أن يصبح محتوى حقيقيًا أم لا. ولا تستطيع الأداة أن تحل محلها، لأنها تحتاج إلى شيء لا تملكه ببساطة: السياق، والخبرة، والحكم البشري.

لماذا وضعنا أنفسنا في هذا الموقف أصلًا؟

أغلب صنّاع المحتوى لم يستثمروا كثيرًا في طبقة التفكير، ليس لأنهم لا يستطيعون، بل ببساطة لأن السوق لم يطلبها. في معظم الحالات، الكم كان كافيًا، السرعة كانت مناسبة، باستراتيجية “انشر ثلاث مرات يوميًا”، أو بمعيار “اكتب 20 مقالًا شهريًا”. والعميل كان يدفع مقابل العدد، وليس مقابل التفكير.

وهذا لم يحدث صدفة، لأن صناعة المحتوى، خصوصًا في سوقنا العربي، أسّست نموذج عملها على التنفيذ. التسعير بعدد الكلمات، والتقييم بعدد القطع المنشورة، والمفاضلة بين الكتّاب على أساس السرعة وحجم الإنتاج. حتى إعلانات التوظيف نفسها كانت تطلب “كاتب محتوى ينتج 15 مقالًا أسبوعيًا”، وليس “كاتب يفهم لماذا نكتب هذا المقال أصلًا”.

هنا كانت النتيجة الواضحة ظهور جيل كامل من صنّاع المحتوى بنوا مسيراتهم المهنية على طبقة التنفيذ فقط. كتّاب سريعون، منتجون بغزارة، يعرفون حيل السيو ومواعيد النشر وصيغ العناوين والمقدمات. لكنهم لم يحتاجوا يومًا أن يسألوا: لماذا نكتب هذا أصلًا؟ ولمن؟ وبأي زاوية تناول؟ وما الذي يجعله يستحق وقت القارئ؟ برغم كونها أسئلة بديهية جدًا كما ترى!

بالطبع، هذا لا يعني أن المشكلة فيهم وحدهم، المشكلة في نظام كامل يكافئ التنفيذ ويتجاهل التفكير. لكن حين يتغير النظام، وهو يتغير الآن، لا يهم كثيرًا من كان السبب، المهم من يتكيّف مع الوضع الجديد.

السوق لم يكن يسأل هذه الأسئلة، لكن الآن بدأ يسألها. لأن “الكم المرتب” أصبح متاحًا لأي شخص يملك اشتراكًا في أداة ذكاء اصطناعي. النص الذي كان يستغرق يومًا كاملًا لكتابته أصبح يُنتج في دقائق. والفرق بين النصين لم يعد واضحًا لمن يدفع.

حين يصبح التنفيذ متاحًا للجميع، لا يعود الكم ميزة تنافسية، بل يتحول إلى حدٍ أدنى، والسوق لا يدفع مقابل الحد الأدنى.

توقف عن المنافسة الخاطئة

في مقالنا الأول، قلنا إن فهم العملية هو ما يجعل استخدام الأداة ذا قيمة. وفي المقال الثاني، قلنا إن الأنا قد تمنعك من استخدامها أصلًا. هنا نحاول أن نقول أمرًا أوضح: إن كنت تتنافس مع الأداة الذكية على نفس الطبقة، فالمشكلة ليست في الأداة، المشكلة في أنك اخترت المنافسة الخاطئة.

من يعمل على طبقة التفكير، ومن يفهم لماذا يُكتب المحتوى وليس فقط كيف يُكتب، لا ينافس الأداة، بل يستخدمها. ومن يعمل فقط على طبقة التنفيذ، سيكتشف أن السوق لن ينتظره ليغيّر موقعه.

ليس السؤال هل تستخدم الأداة أم لا، السؤال هل تعمل على الطبقة التي لا تستطيع الأداة الوصول إليها؟

شارك المقال:

محمد يوسف كاتب المقال

مؤسس مشارك والرئيس التنفيذي للتواصل

أفكار مترابطة