صناعة المحتوى لا تحتاج قادة فكر.. بل قادة فعل

افتح لينكدإن الآن، وستجد عشرة أشخاص على الأقل يعلّمونك كيف تصنع محتوى تسويقيًا. يتحدث معظمهم بثقة كبيرة، ويستخدم مصطلحات مقنعة، وهيكل محتوى مرتب. لكن السؤال المهم: كم منهم صنع محتوى مميز فعلًا؟

في مقال نُشر حديثًا على هارفارد بيزنس ريفيو، تحدث الكاتب جون وينسور حول هذه الظاهرة. وينسور بالتأكيد وفقًا للمقاييس المعروفة هو قائد فكر في مجاله كما يصف نفسه؛ له ستة كتب ويملك سنوات كثيرة من العمل في بناء الشركات، ويكتب في المجلة بصورة ثابتة.

يقول وينسور أن محتوى قيادة الفكر الذي يعد جزء مما تقرأه على لينكدإن مثالًا عليه لم يعد له قيمة كبيرة حاليًا، وأن وجود الذكاء الاصطناعي قضى على هذا النوع من المحتوى. فما الذي يدفعه لقول ذلك؟ وكيف يرتبط ذلك بمجال صناعة المحتوى؟

 الحجة الأساسية وراء مزاعم وينسور

لنبدأ أولًا بفهم حجته، وهي في الحقيقة بسيطة وواضحة. يرى وينسور أن وجود الذكاء الاصطناعي جعل ادّعاء الخبرة سهلًا دون وجودها فعلًا بالضرورة. ببساطة أنت لا تعرف هل يملك الكاتب خبرة حقيقية فيما يكتبه أو لا، ورغم ذلك تجد فيضان من محتوى يبدو موثوقًا ومكتوبًا بأفضل صورة.

يصفها وينسر بأنها مشكلة الخبير الزائف The Faux-Expert Problem، ويرصد لها خمس علامات في محتوى قيادة الفكر الموجود حاليًا كالتالي:

  1. غياب ندوب التجربة The absence of scar tissue: الاكتفاء بسرد النجاحات الإيجابية فقط، وعدم التطرق للتجارب الفاشلة أو التي لم تسِر على ما يرام.
  2. الحديث من موقع بعيد عن التفاصيل العملية Altitude lock: الحديث من موقع هرمي عالي، لا يحتك مع الواقع ولا يمارس العمل بنفسه ويكتفي بإصدار الأحكام فقط.
  3. عموميات مبهمة عن الفشل: الاعتماد على أوصاف عامة عند ذكر الفشل، دون تفصيل أو توضيح لما حدث بشكلٍ خاطئ يمكن الاستفادة منه فعلًا.
  4. تراكم الخبرات بسرعة لا تُعقل: ينتقل الخبير هنا من مرحلة لأخرى بصورة سريعة وغير منطقية، فهو شخص قرأ موضوع معين، فكتب محتوى عنه وحصد تفاعلًا، ثم انتقل إلى تقديم خدمات متعلقة به، وكل ذلك في فترة قصيرة جدًا، دون أي خبرة تشغيلية حقيقية بين هذه المراحل.
  5. اتساق مفرط لا يشبه الواقع: الاستمرار بنفس المنظور طوال الوقت، وعدم تطويره أو تحديثه دوريًا، لا سيّما مع كوننا الآن في أسرع بيئة تكنولوجية تغيرًا في تاريخ البشرية، وهذا لأنه لا يتعلم من التجربة، بل يحمي الإطار الموجود حول علامته الشخصية فقط.

المحتوى التسويقي: المسرح الأول للخبرة الزائفة

تحدث وينسور بالأساس عن هذه الظاهرة في عالم الاستشارات والقيادة. لكن في صناعة المحتوى التسويقي تحديدًا، المشكلة مضاعفة. في المجالات الأخرى، المنتج شيء ملموس؛ مشروع يُنفَّذ، نظام يُبنى، نتيجة تُقاس. والمحتوى مجرد وسيط يُروّج له أو يشرحه.

أما في صناعة المحتوى، فالمنتج نفسه هو الكلمات والأفكار. لم يسهّل الذكاء الاصطناعي التظاهر بالخبرة فقط، بل سهّل إنتاج المحتوى نفسه الذي يُستخدم في هذا التظاهر. أي أن المحتوى التسويقي أصبح المسرح والممثل والجمهور في آن واحد.

وحين تعيد قراءة علامات الخبرة الزائفة الخمس من هذه الزاوية، تجدها أوضح مما تتخيل. وللتوضيح فإنّ ما نتحدث عنه هنا لا نقصد به محاكمة أشخاص بعينهم، بل نتحدث عن نمط أصبح سائدًا في السوق، نمط لسنا بالضرورة في منأى عنه نحن أيضًا، لكن التعرّف عليه هو الخطوة الأولى للابتعاد عنه. دعنا نطرح أمثلة واضحة عليه:

أولًا: غياب ندوب التجربة

  • كل خبير محتوى لا يحكي إلا قصص النجاح، وكأن كل حملة أطلقها حققت نتائج استثنائية.
  • شخص يتحدث عن كيف بنيت استراتيجية محتوى حققت مليون مشاهدة، لكنه لا يحكي عن العشرين محاولة التي سبقتها ولم يلتفت إليها أحد.
  • مدرب يعلمك كتابة المحتوى وكل أمثلته قصص نجاح، وكأن الفشل لم يحدث له يومًا.

الموقع البعيد عن التفاصيل الفعلية

  • من يتحدث عن “بناء صوت العلامة التجارية” بطلاقة، لكنه لا يستطيع أن يوضح لك الفرق العملي بين اختيار كلمة وأخرى في عنوان واحد.
  • من يكتب عن “استراتيجية المحتوى الشاملة” لكن لو سألته كيف يقرر أن هذا المقال يُنشر وذاك يُحذف، لا يملك إجابة واضحة.
  • من يقدّم محاضرات عن “مستقبل المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي” لكنه لم يجلس يومًا يحرّر مخرجات أداة ذكية ويعرف أين تنجح وأين تخذلك فعلًا.

العموميات عن الفشل

  • “أكبر خطأ ارتكبته هو أنني لم أبدأ مبكرًا”: جملة لا تقول شيئًا عن خطأ حقيقي هنا.
  • “الفشل كان أفضل معلّم لي”: دون أن يذكر ماذا فشل فيه تحديدًا وماذا تغيّر بعدها.
  • “تعلمت أن المحتوى يحتاج صبرًا”: كأنه يصف حكمة على كوب قهوة وليس درسًا من تجربة عاشها.

الخبرة المتراكمة بسرعة مريبة

  • من بدأ يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي قبل أشهر وأصبح يبيع دورات عن “هندسة الأوامر للمحتوى التسويقي”.
  • من لم يعمل في التسويق بالمحتوى يومًا، لكنه قرأ عنه ثلاثة أشهر وأطلق على نفسه “استشاري استراتيجية محتوى”.
  • من يقدّم نفسه كخبير في كل منصة جديدة بمجرد ظهورها، وكأن الخبرة تتشكّل بسرعة إنشاء الحساب.

الاتساق المفرط

  • محتوى منشور يوميًا بنفس النبرة والثقة، دون لحظة شك أو مراجعة واحدة علنية.
  • شخص لم يغيّر رأيه في أي شيء كتبه منذ سنوات، رغم أن المجال نفسه تغيّر جذريًا.
  • كل منشور يبدو وكأنه خرج من قالب واحد؛ وتشعر معه أنه محتوى مكرر.

من “قائد الفكر” إلى “قائد الفعل”

يطرح وينسور سردية مغايرة مفادها الانتقال أصلًا من مفهوم “قيادة الفكر” إلى ما يسميه “قيادة الفعل”. الفرق ليس في النبرة أو الأسلوب، بل في مصدر ما يُقال. قائد الفكر يقرأ ويحلل ويصوغ أفكارًا مقنعة عن مجاله. قائد الفعل يبني شيئًا أولًا، يراقب ما يحدث، ثم يحكي ما حدث فعلًا سواء نجاح أو فشل.

ونحن نتفق مع هذا المنظور. ولا نود المجادلة بشأن إذا كان مصطلح قيادة الفكر يموت فعلًا أم هي مبالغة. لكن من وجهة نظرنا، يحتاج سوق صناعة المحتوى التسويقي الآن إلى هذا التغيير فعلًا. الانتقال من مجرد الكتابة عن هذا المجال، إلى التجربة الحقيقية ثم نقل تفاصيلها بأمانة.

سينتج لنا هذا التحوّل نوعًا مختلفًا من صنّاع المحتوى. شخص بحث وجرّب ونفّذ ولاحظ، ثم شارك ما تعلمه؛ ما نجح وما لم ينجح. ليس شخصًا يملك إجابات جاهزة دائمًا لكل موقف، بل شخصًا يملك تجربة حقيقية يمكنك أن تتعلم منها حتى حين تختلف ظروفك عن ظروفه.

ما نحاول بناءه في محتواك

هذا بالضبط ما نحاول أن نفعله هنا. لم نبدأ من نظرية عن المحتوى ثم بحثنا عن أمثلة نؤكدها بها. بدأنا من تجربة فعلية امتدت لسنوات؛ كتبنا وحررنا وأدرنا فرقًا وأخطأنا وغيرنا الاتجاه أكثر من مرة، ثم حاولنا أن نفهم ما الذي تعلمناه من كل ذلك.

منهجنا الذي نسميه “التفكير بالمحتوى” وُلد من ممارسة طويلة حاولنا لاحقًا أن نصوغها في ثلاث مراحل واضحة: بحث معمّق، تجربة واعية، طرح صادق. هذا الترتيب ليس عشوائيًا؛ البحث يسبق التجربة لأنك لا تجرّب ما لا تفهمه، والتجربة تسبق الطرح لأنك لا تشارك ما لم تختبره.

ولهذا حين نقول إن لكل فكرة “عتبة خبرة” يجب أن تعبرها قبل أن نشاركها، فهذا ليس شعارًا تسويقيًا. هذا قرار عملي كلّفنا خسارة مالية واسعة نتيجة تأخير إنتاج محتوى كثير، وأحيانًا حذفه بالكامل، لأنه لم يعبر تلك العتبة بعد.

الذكاء الاصطناعي كاشف وليس سبب

من السهل أن تقرأ كل ما سبق وتستنتج أن الذكاء الاصطناعي هو المشكلة. لكن هذا ليس ما نقوله.

الخبرة الزائفة في صناعة المحتوى ليست ظاهرة جديدة. قبل أدوات الذكاء الاصطناعي، كان هناك من يعيد صياغة أفكار غيره ويقدمها كأنها خبرته. ومن يبني سمعته على مصطلحات رنّانة لا تصمد أمام أول سؤال عملي. ومن يكتب عن استراتيجيات لم يختبرها يومًا.

الفرق أن كل هذا كان يتطلب جهدًا ووقتًا، فكان بطبيعته محدودًا. لم يخلق الذكاء الاصطناعي هذه المشكلة، لكنه أزال الأسباب التي كانت تبطئها. من كان ينتج محتوىً سطحيًا بمعدل مقال في الأسبوع، أصبح ينتج عشرة في اليوم.

لكن الجانب الآخر من المعادلة لا يُذكر بالقدر نفسه. من كان يملك منهجًا واضحًا وتجربة حقيقية، أصبح أقوى بالأداة. لأن الذكاء الاصطناعي حين يُوظَّف بوعي في خطوات عملك، يضاعف ما لديك فعلًا. الفكرة المتماسكة تصبح أكثر عمقًا، والمنهج الواضح يصبح أكثر كفاءة. أما الفراغ فيتضاعف أيضًا، لكنه يبقى فراغًا.

هذا ما ناقشناه بتفصيل من قبل: السؤال الذي يستحق أن يُسأل ليس “هل كُتب هذا بالذكاء الاصطناعي؟” بل “هل من كتبه يملك ما يقوله فعلًا؟” الأداة لا تمنحك معيارًا، لكنها تضاعف ما لديك، سواء كان عمقًا أو فراغًا.

في النهاية

عُد الآن إلى لينكدإن. نفس العشرة أشخاص ما زالوا هناك، ونفس المصطلحات المقنعة ونفس النتائج المبهرة. لكن ربما بعد قراءة هذا المقال، أصبح لديك عين مختلفة. عين تعرف الفرق بين من يتحدث عن صناعة المحتوى ومن يصنعه فعلًا.

السؤال الذي بدأنا به: كم منهم صنع محتوى مميز فعلًا؟ ليس سؤالًا عنهم فقط. هو سؤال عنك أيضًا، وعنّا. لأن الاختبار الحقيقي لكل ما قلناه في هذا المقال ليس أنك قرأته واقتنعت به، بل أن تنظر إلى محتواك أنت وتسأل: هل ما أشاركه وُلد من تجربة حقيقية؟ أم أنني أعيد تدوير أفكار تبدو مقنعة لكنني لم أختبرها بعد؟ أنت وحدك تجيب على ذلك.

شارك المقال:

معاذ يوسف كاتب المقال

مؤسس مشارك والرئيس التنفيذي للأعمال

أفكار مترابطة